أخر الأخبار

الراصد – فضل الله رابح – البرهان من الرتج .. تجاوز الفخ وهندسة التعايش

..
(١)

شرق السودان منذ مدة ليست بالقصيرة ظلَّ مختبراً لقوة الدولة وإثارة القلاقل وتعطلت فيه التنمية التي سببتها الحروب المتتالية منذ التسعينات والتي إنتهت بإتفاق سلام الشرق الذي تم في أسمرا في ١٤ إكتوبر ٢٠٠٦م وأنهى ( ١٣) عاما” من العمل المسلح على الحدود الشرقية ، ذلك الاتفاق خلق إستقرارا” أمنيا” وعزز التعاون الإقليمي بين السودان وجواره ، فضلا” عن إيقاف الحرب وإعادة دمج المجموعة المحاربة ، إن ما شهده شرق السودان من إطلاق مشاريع تنموية وإعمار كان بفضل اتفاق سلام الشرق وبموجبه تم تأسيس صندوق إعمار وتنمية الشرق الذي أسهم في تأهيل البنى التحتية وإستقرار الخدمات الأساسية ، بعد عودة النازحين واللاجئين إلي مناطقهم والمشاركة الواسعة لإنسان الشرق في السلطة في مستويات الحكم القومي والولائي ، فهذا الجزء من السودان علاقتُه بالحروب معقدة ، ولذلك خصوم السودان الإقليميين والدوليين ومخالبهم السياسية الداخلية يحاولون من وقت لآخر إنتاج بعض الصراعات لأسباب مختلفة منها مشاكل التعدين التقليدي بين المكونات الإجتماعية المتساكنة والمتعايشة منذ تاريخ طويل وهم يتقاسمون الموارد والمنافع فقد عمروا المنطقة وشيدوا ما بها من أسواق ومؤسسات ، وعلى الرغم من كل هذا ظلت فكرة تغيير خرائط المصالح الإقتصادية حاضرة عند بعضهم ومن يقفون خلف صناعة الأزمات ، وباتت بصورة إرادية أو لا إرادية مدخلا” للتأزيم ، وحسنا” إنتبهت قيادة الدولة ممثلة في رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن. عبد الفتاح البرهان ووالي البحر الاحمر ، الفريق الرحمن . مصطفي محمد نور في إحتواء مشكلة سوق الرتج وإطفاء نار الخلاف بين البشارين والرشايدة ، ومعروف أن الرتج منطقة حدودية إستراتيجية بالغة الأهمية تقع في أقصى شمال شرق السودان بمحلية حلايب في ولاية البحر الاحمر ، وهى تحتل موقعا” جغرافيا” حدوديا” حساسا” ، وتشتهر المنطقة بكونها مركزاً نشطاً للتعدين الأهلي ، مما يجذب آلاف العاملين في هذا القطاع ويدعم الاقتصاد المحلي ، كما تمثل سوقاً تجارية حيوية تخدم السكان المحليين والمعدنين وتُسهّل التبادل في المناطق الحدودية ، ورغم تكرار مثل هذه الحوادث مؤخراً والتلويح بها في الأزمات الحضرية داخل مدن الشرق الرئيسية ، ولكن تواجد قيادة الدولة وتقوية أجهزة الأمن والمخابرات والشرطة والجيش، يجعل المنطقة مستعصيةً على المتآمرين ومشاريع التجريب والفتنة بالقوة الإجتماعية التقليدية أو بناء الأذرع والاستثمار في الميليشيات القبلية .

(٢)
خلاف البشارين والرشايدة في الرتج لا يمكن فصله عن حال المنطقة المهمة و المستهدفة وهى اليوم أمام لحظة حاسمة أمام مشروع إسرائيل الذي في جوهره ، أنها ربطت أمنها ونموذجها بالسيطرة والاحتلال الممنهج وفرض الوقائع على الأرض ، مستندة إلى قوة عسكرية وتكنولوجيا فائقة ، ثم تحولت هذه القوة القسرية من أداة دفاع إلى وسيلة لإدارة الاحتلال التوسعي خارج فلسطين وتكريس الواقع الجغرافي بمنطق القوة والخلخلة الإجتماعية للدول ، واستبدال منطق ردع لا يتوقف بمحاولات التسوية المحلية بحساب المصالح .

اسرائيل ، بنت مشروعَها بطريقة مختلفة ، لا تعتمد على المواجهة المباشرة ، بل على الاستثمار في الوكلاء المحليين وبعد حربها الطويلة مع العراق ، ثم سقوط بغداد عام 2003، أدركت أنَّ الفوضى أقل تكلفة وأكثر فاعلية من الاحتلال المباشر ، فمدت نفوذها عبر كيانات ما دون الدولة والميليشيات في لبنان والعراق وسوريا قبل سقوط نظام الأسد واليمن والسودان ( مليشيات الدعم السريع ) والملاحظ أن حميدتي كانت عينه على الشرق حد أنه صاهر بعض قبائله ، ظناً منه وكفيله الخارجي أن اختراق الدول من خلال مجتمعاتها إضعاف لها ، وإنهاكاً لقدراتها الإجتماعية والعسكرية ، ولذلك إسرائيل كلما تجد مدخلا” لفتق تعمل على توسعته بما ينعكس سلبا” على الداخل وظهر ذلك في الاحتجاجات والمظاهرات بالعاصمة وبعض الولايات قبل العام ٢٠١٩م ، وحرب 15 ابريل 2023م ونتائجها ، فهذه الأيام ذات التمظهرات الكالحة والأزمات السابقة بدأت تتجدد وبنفس الملامح ، ولأسباب عديدة هدفها إعادة التجربة القاسية التي كادت غير مرة أن تمسّ جوهر وجود السودان كدولة .

العداء الصريح بين إسرائيل وبعض دول الممانعة على رأسها السودان لا يمنع هذه المقارنة على مستوى الاستراتيجية ، ففائض القوة الإقتصادية في تل أبيب ، وفائض الوكلاء السياسيين في المنطقة ، كلاهما يسعى إلى تحويل الدول غير المستقرة إلى ساحات تفاوض وضغط مستمر ، والنتيجة واحدة : دول أقل استقراراً ، أكثر هشاشة ، وأقرب إلى الانفجار ، وهو ما يتطلب الإنتباه له من قيادة الدولة .
(٣)
في المقابل ، هناك طريق ثالث يجني اليوم ثمرة مقاربته المختلفة عبر الاستثمار في الداخل ، ويبرز هنا نموذج حلف الكرامة بالبلاد الذي أضاء ثم خفت ، هذا البعد الأهلي والاجتماعي لحظة ظهوره وسع مفهوم القوة ليشمل الاستقرار والتنمية والاستثمار في المواطن على اعتبار أنَّه أهم أسلحة أساس القوة الصلبة في مواجهة مشروع المليشيا التخريبي ، وأعتقد أن سعي قيادة الدولة المستمر للتواصل مع قيادات ورموز المجتمع والنظام الاهلي سوا في مناسبات الاعياد وغيرها أمر غاية الأهمية ، إلى جانب تفوق الجيش والمقاومة الشعبية الميداني على المليشيا الارهابية ، لابد من السعي الدائم لبناء قوة مجتمعية متماسكة ومستدامة تقوم على الاقتصاد المتنوع محليا” ، ودولة الرفاه والكفاءة ، المسنودة بمجتمع حيوي لديه مناعة قومية صلبة تحير الخصوم في تصديه لحملات الاستهداف والتضليل وتوظيف الخلافات المحلية الصغيرة .

(٤)
خطاب البرهان في سوق الرتج لم يتجاهل الأمن والحزم ، فقد استثمرت المناسبة في إرسال رسائل كشفت تطوير السودان لقدراته الدفاعية والمحافظة على مصالح جيرانه ، وتوطين لغة المصالح ومنع التعديات على حدود الدول المجاورة ، وحماية المواطن السوداني والمدن والمنشآت الحيوية ، وأرسل أكثر من رسالة واضحة بأن السودان لا يتساهل مع أمنه ، وأمن غيره من الأشقاء ، يبدو أن البرهان تعمد أن يقصد الذين يحاولون دس السم في علاقات السودان مع أصدقائه وزرع بزرة فتنة وشقاق بينهم ، وقطع الطريق بأن ألا تُجر البلاد إلى حروب لم تخترها.
وعلى مدى التاريخ السوداني ، لم يكن الاستفزاز مؤثراً في سياسته ، بل كانت تثبت ذلك الخيط الرفيع بين الردع المسؤول والاندفاع العسكري ، بما يعكس عراقة وتقاليد بيت الحكمة عند الجيش السوداني ، وأن سلاح التنمية نجح مراراً في التاريخ الحديث ، جربته ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وكلها صنعت تجربتها عبر الاستقرار والتعليم والصناعة والانفتاح على العالم. وفي المقابل ، يحفل التاريخ بدول تآكلت مشاريعها الوطنية بسبب خطاب مرتبك فشل في إنتاج منطق الدولة وقوتها.
في السودان لابد أن يكون الرهان الأول على معادلة أثبتت نجاحها في العالم وهى : تنمية تحميها القوة ، ومصالح وطنية ترعاها دبلوماسية متفوقة ،مسنودة باقتصاد صلب ، ووحدة مجتمعية ، وتحالفات دولية ومحلية متنوعة ، ويعد الاعتدال في معاملات الدول ، عامل قوة مضاعف ، لا يحمي الداخل فقط ، بل يحول التنمية إلى نموذج إقليمي يؤكد يوماً بعد يوم أن البقاء للأكثر استقراراً ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى