لم تعد أزمة المليشيا اليوم حدثاً عابراً يمكن احتواؤه ببيان إنكاري أو خطابٍ تعبوي بل تحولت إلى زلزال داخلي يضرب في عمق بنيتها ويكشف هشاشة القيادة التي ظلت تتكئ على وهم القبضة الأمنية أكثر من أي مشروع عسكري أو سياسي متماسك فالقضية لم تعد انسلاخ قائد هنا أو تمرد مجموعة هناك بل أصبحت عنوانها الأبرز: فقدان السيطرة
في قلب هذا المشهد المضطرب يقف عبدالرحيم دقلو لا كقائدٍ ممسك بخيوط اللعبة بل ( كأزمة متحركة ) كما تصفه دوائر استخبارات المليشيا تتفاقم معها التناقضات وتتسع في ظلها الشروخ القبلية والعرقية داخل صفوف المليشيا. ومن نيالا حيث تتناثر مراكز النفوذ تتصاعد روايات عن حالة اصطفاف حاد وانعدام ثقة بلغ حدّ الشك في أقرب الدوائر.
قد يحاول البعض التقليل من أهمية ابتعاد اللواء النور أحمد آدم “النور قُبة” لكن قراءة المشهد بعمق تكشف أن الرجل ليس مجرد اسم عابر في سجل المليشيا بل أحد أعمدتها التأسيسية من حرس الحدود إلى الدعم السريع ظل النور جزءاً من النواة الصلبة التي تشكل عليها هذا الكيان
خروجه ليس حدثاً عادياً بل لحظة فاصلة تُعيد رسم موازين القوى داخل المليشيا.
صراع داخلي بين مكونات القبائل نفسها تفتيش مهين اعتقالات تعسفية وتعذيب لاستخلاص المعلومات كلها مؤشرات على أن المليشيا بدأت تأكل
فالأزمة هنا في البنية الاجتماعية التي بدأت تتصدع. صراع “خشوم البيوت” والتوتر المتصاعد بين المكونات القبلية يفتح الباب أمام سيناريو دموي
فاعتقال العميد خلا موسى السميح واتهامه بإشعال الخلافات الداخلية ليس سوى عرض لمرض أعمق حملات الاعتقال التي طالت مجموعات بعينها والاتهامات المتبادلة بالتآمر تعكس بيئةً مشحونة بالريبة
و في مقابل هذا الواقع المتفجر تصر بعض الأصوات على تسويق رواية “اللا تأثير” محاولةً التقليل من شأن الانشقاقات أو تصويرها كأحداث طبيعية لكن الحقيقة على الأرض تقول غير ذلك:
المليشيا جسداً تتنازعه الولاءات وتنهشه الصراعات
بل إن الحديث عن أن هذه التطورات بلا أثر على مسار العمليات يبدو أقرب إلى محاولة يائسة لرفع المعنويات
في خلفية هذا المشهد تبرز مؤشرات على تراجع الثقة بين المليشيا وداعمه الأول الإمارات
فمع تعاظم دور الاستخبارات العسكرية للجيش وتضييق الخناق على تحركات المليشيا، تبدو معادلة السيطرة المعلوماتية للمليشيا مستحيله
قد لا يكون سقوط المليشيا حدثاً لحظياً لكنه وفق هذه المعطيات دخل مرحلته الحاسمة الانشقاقات المتوقعة خاصة في محاور حساسة قد تشكل الضربة التي تفقدها توازنها بالكامل.
المشهد لم يعد يحتمل التجميل
قيادة مرتبكة صراعات داخلية تصفيات وبيئة اجتماعية على حافة الانفجار
ما حدث للمليشيا ليست مجرد أزمة قيادة…
بل لحظة تفكك تاريخية قد تُكتب بها السطور الأخيرة في قصة مليشيا ظنت يوماً أنها قادرة على فرض واقع دائم بقوة السلاح
