كلام سياسة – الصافي سالم – بين نزيف الوطن وضجيج الفرح نداء إلى حكومة الأمل

 

في السودان، لم تعد المفارقة خافية على أحد؛ وطنٌ ينزف حتى الرمق الأخير، ودماءٌ لم تجف بعد، بينما ما زال في المشهد من يرقص ويغني كأن الحرب خبرٌ عابر، لا فاجعة تسكن كل بيت، ولا وجعًا ينام في عيون الأمهات. حربٌ مرّت على البلاد كالإعصار، كسرت المدن، وشرّدت الإنسان، وجرحت الروح الوطنية جرحًا غائرًا، وما زالت آثارها تحاصرنا في الخبز، والماء، والدواء، والأمان.
وآخر فصول هذا النزيف، شهداء سنجة، الذين رحلوا بصمتٍ يليق بالعظماء، وتركوا خلفهم أسئلة موجعة: إلى متى يستمر هذا النزف؟ ومن يعيد الاعتبار لدماء سالت من أجل الوطن؟
دولة رئيس مجلس الوزراء، الدكتور كامل إدريس،بعد عودتكم إلى العاصمة الخرطوم، تقف البلاد على مفترق طرق تاريخي، وتنتظر منكم ما هو أكبر من إدارة يومية أو حضور بروتوكولي. من أهم أولويات المرحلة: تنفيذ والتبشير الجاد بمبادرة السلام التي طُرحت مؤخرًا، لا باعتبارها شعارًا، بل مشروعًا وطنيًا يتطلب حشدًا شعبيًا وإعلاميًا صادقًا، يعبّئ الناس حول أمل الخلاص لا حول أوهام الوقت الضائع.رفع الهمة وسط الدولة والمجتمع والمواطنين بات ضرورة لا ترفًا؛ همة للعودة، وهِمة لإعمار الخرطوم، وهِمة لإعادة الروح إلى مؤسسات الدولة. ولن يتحقق ذلك إلا بتنسيقٍ واضح وحاسم مع قادة القوات المسلحة، من أجل إنهاء الحرب، حربًا أو سلامًا، فأنصاف الحلول لم تعد تُقنع شعبًا أنهكته الانتظارات.وفي هذا الطريق، نداء صريح: ابتعدوا عن الزيارات ذات الطابع المجاملاتي، التي لا تتجاوز عدسات الإعلام، ولا تشبع جائعًا، ولا تداوي جرحًا. فأنتم تقودون حكومة أمل السودان، لا حكومة إرضاء الأشخاص أو صناعة الصور. لا تلتفتوا للناقدين من أجل النقد، واجعلوا ميزان أعمالكم سؤالًا واحدًا: كيف نُرضي الله، ونُنصف المواطن المغلوب على أمره؟قضية معاش الناس وتوفير الخدمات يجب أن تكون في صدارة جدول العمل؛ الصرف الصحي الخبز، والماء، والكهرباء، والصحة، والتعليم… هذه معارك يومية لا تقل أهمية عن معارك السلاح.أما الذين يستحقون الوفاء والعناية والاهتمام قبل غيرهم، فهم أسر شهداء الواجب من القوات المسلحة، والقوات النظامية الأخرى، والمستنفرين؛ هؤلاء هم الأكثر حاجة، وهم أصحاب الدين في أعناق الدولة. وكذلك المقاتلون في الصفوف الأمامية، الذين يواجهون الموت ليبقى الوطن، هم أحوج منا جميعًا بالرعاية والإنصاف والاهتمام الحقيقي.السودان اليوم لا يحتاج خطبًا رنانة، بل أفعالًا صادقة. لا يحتاج ضجيجًا، بل ضميرًا حيًا. وبين نزيف الوطن وضجيج الفرح الزائف، يبقى الأمل معقودًا على أن تنتصر الحكمة، وأن يكون القادم وفاءً للتضحيات، لا خيانةً للدماء.فالتاريخ لا يرحم، والدماء لا تنسى، والشعوب قد تصبر لكنها لا تغفر لمن يفرّط في تضحياتها. إن دماء الشهداء ليست ذكرى تُستدعى في الخطب، بل أمانة ثقيلة في أعناق القادة، ووصية مفتوحة عنوانها العدل والسلام والكرامة. وحين يُبنى السودان القادم، يجب أن يُبنى على هذه الدماء الطاهرة، لا فوقها، وأن يكون السلام فيه مكافأةً للصابرين، والعدل عزاءً للثكالى، والوطن بيتًا آمنًا لمن صمدوا ولم يرقصوا على الجراح.إنها لحظة صدق مع الله، ومع الوطن، ومع شعبٍ أنهكته الحرب لكنه ما زال يستحق الحياة.فإما وطن يُنقذ بقرارات شجاعة… أو جراح تُورَّث لأجيال قادمة.

Exit mobile version