تتضاعف مرارة الألم حين يأتي الاعتداء من ذوي القُربى فكيف إذا كان المعتدي دولة عربية شقيقة تجمعها بالسودان وشائج التاريخ والدم والدين والمصير المشترك وقد كان للسودان الدور الطليعي في نهضة الإمارات فما نتعرض له من أبوظبي خارج عن السياق الإنساني لأنه اعتداء صادر ممن كان يُفترض أن يكون سندًا لا خنجرًا مسموما كشعب يكن لنا تقديرا وإحتراما منذ إمارة زايد الخير للإمارات
ففي خضم هذا الغضب المشروع مما تتعرض له بلادنا من حرب مدمّرة يخطئ بعض السودانيين حين يسمحون لمشاعر السخط أن تنزلق إلى مسار تزكية الخلاف بين الشعوب أو إلى خطاب تشفٍّ وإساءة لا يليق بقضيتنا ولا بقيمنا واخلاقنا
نعم للسودانيين كامل الحق في إدانة أي دعم يُقدَّم لمليشيا الجنجويد من إمارة أبوظبي التي دعمت ولازالت تدعم المليشيا وترتكب الجرائم والقتل والتعدي السافر يندي له الجبين لكن هذا الحق لا يبرر توسيع دائرة الخصومة لتشمل شعوبًا لتزكية الفرقة والشتات بينهم لاعلاقة لهم بماتفعله حكام أبوظبي ولا يجيز الزجّ باسم الشعبين السعودي والإماراتي في صراع سياسي لا علاقة له بهم
فالخلافات تُدار ضد الحكومات ومراكز القرار لا مع الشعوب المغلوب على أمرها والتركيز على إقحام العلاقة بين الشعبين السعودي والإماراتي في خطاب سوداني غاضب أو التلميح إلى صراع شعبي بينهما لا يخدم السودان بل يضعه في خانة الخطاب غير المسؤول ويمنح خصومه فرصة للطعن في عدالة قضيتتا ويقدح في نيتنا القاصدة للمملة جراحنا بإرادتنا وعزيمتنا وبمساندة أشقائنا المخلصين لا الإستثمار في تزكية خلافات الشعوب
إن قضية السودان قضية أخلاق قبل أن تكون قضية سياسة والعدالة لا تُنصر بالسبّ ولا بالشماتة ولا بإثارة الأحقاد بين الشعوب بل بخطاب واضح ومتزن يحمّل المسؤولية لمن يستحقها دون تعميم أو إساءة فمن أخطر ما تفرزه الحروب ليس الدمار وحده بل انهيار القيم وضياع البوصلة الأخلاقية ونحن نربأ بذلك لخصال وشيم وقيم شعبنا
فالسودانيون عُرفوا تاريخيًا بالحكمة وبحسن الجوار والإحسان وبالتمييز بين الموقف الرسمي والعلاقة الشعبية وتقديم يد العون والسند وهذه السمعة ليست ترفًا بل رأس مال وطني يجب حمايته وصونه خاصة في زمن نحتاج فيه إلى أصدقاء لا إلى خصومات مجانية بين الشعوب فقد برز في السطح الإعلامي بعض الأصوات التي تحاول إشعال نار الفتنة بين الشعبين السعودي والإماراتي ظنا منهم أن ذلك يخدم قضيتهم بدافع التشفي من مواقف سياسية لحكام أبوظبي ليس الشعوب يد فيه فهذه الدعوات أو القوص في إثارة القضايا الأخلاقية وتزكيتها لا تمثل أخلاق السودانيين ولا قيمهم
فإن الشعوب ليست مسؤولة عن قرارات الحكومات خاصة إذا لم تمر بالتجارب الديمقراطية كأبوظبي ولا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية إلى عداوات
فمن حقنا أن نغضب ونثأر ومن واجبنا أن نُدين، لكن ليس من حقنا أن نخلق العداوة والمشاحنة بين الشعوب أو ننحدر بخطابنا الي مستويات لاتعبر عن وجداننا السليم ولا مثلنا المعهوده فالحروب تنتهي أما الكلمة السيئة فتبقى أثرًا سالبا وتاريخا تعكس معدن الشعوب ويصعب محوه ويبقى الأخلاق منارة وعنوان فليس من العدل والإنصاف والحصافة أن نحمل شعوب دول أخطاء حكامها ووزر تقديراتهم وحتى عمالتهم وإرتزاقهم
فلابد من إحكام صوت العقل والضمير وأن نعمل للتنسيق بين الشعوب والإحترام المتبادل وأن نحي روابط الدين والدم بيننا لتعلو صوت الشعوب العربية والإسلامية لإصلاح نظم الحكم كأداة لحياة كريمة بين الشعوب
