ألف يومٍ… ولم تسقط الفكرة

 

بعد مرور ألف يومٍ على اندلاع حرب الخيانة و الغدر في السودان، لا يصحّ أن نُحصي الزمن بالأرقام وحدها. الأرقام باردة، والسودان لم يكن يومًا باردًا. ألف يومٍ هي اختبار أخلاقي قبل أن تكون معركة عسكرية، وامتحان دولة قبل أن تكون صراع سلاح.

قال زهير بن أبي سُلمى:

ومَن لا يَذُدْ عن حوضِه بسلاحِه
يُهَدَّمْ، ومَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ

وليس في هذا البيت دعوة للعدوان، بل تذكير قاسٍ بحقيقة قديمة: الأوطان التي لا تحمي نفسها، تُستباح. والدول التي تتردّد في لحظات الحسم، تدفع الثمن مضاعفًا.

ألف يومٍ مرّت والسودان لا يواجه ميليشيا متمردة فحسب، بل يواجه مشروع تفكيك شامل: تفكيك الدولة، تفريغ الجغرافيا من معناها، وإعادة تعريف السودان كمساحة رخوة بلا سيادة ولا ذاكرة. ما جرى لم يكن “سوء إدارة أزمة”، بل استهدافًا ممنهجًا لفكرة الدولة نفسها.

ومع ذلك، فشل المشروع في أهم اختبار: كسر إرادة الناس.
السودانيون، رغم النزوح، ورغم الجراح، ورغم الغدر الدولي، لم يوقّعوا على شهادة وفاة دولتهم. التفّوا حول جيشهم، لا بدافع العاطفة، بل بدافع الفهم: *لا دولة بلا جيش، ولا سياسة بلا سيادة، ولا سلام بلا قوة تفرضه.*

السياسيون يخطئون حين يعتقدون أن الزمن يعمل لصالحهم تلقائيًا. الزمن محايد. ما يعمل هو القرار. ألف يومٍ كشفت لنا من يفهم طبيعة الصراع، ومن لا يزال يحدّث نفسه عن “حلول وسط” مع ميليشيا لا تؤمن إلا بمنطق الغنيمة.

هذه ليست حرب كراسي، ولا خلافات نخب. هذه لحظة تاريخية فاصلة: إمّا دولة تُمسك بزمام أمرها، أو فراغ تُديره العواصم البعيدة بالريموت كنترول.

بعد ألف يوم، لا نحتاج خطابات عزاء. نحتاج وضوحًا.
وضوح في تعريف العدو.
وضوح في ترتيب الأولويات.
وضوح في أن بقاء السودان ليس مسألة تفاوض، بل مسألة إرادة.

والشعوب التي تفهم هذه الحقيقة، قد تتألم… لكنها لا تُهزم….
وطن و مؤسسات….
السودان أولا و أخيراً…
د. عبدالعزيز الزبير باشا
*_14/1/2026_*

Exit mobile version