
علم الدين عمر
..علي مائدة إفطار إتحاد الصحفيين بالأمس بدا السفير عماد الدين مصطفي عدوى مدركاً للتحديات الكبيرة التى تعترض عمل السفارة التى لم تعد مجرد بعثة دبلوماسية تقليدية تؤدي وظائفها المعهودة في إصدار الوثائق..ومتابعة العلاقات الثنائية.. وتمثيل الدولة لدى المؤسسات الإقليمية.. منذ إندلاع الحرب في السودان تحولت هذه السفارة إلى ما يشبه غرفة عمليات وطنية مفتوحة على مدار الساعة..تواجه ضغطاً غير مسبوق من الملفات والتحديات الإنسانية والسياسية والإدارية..في وقت تاريخي شديد التعقيد..
القاهرة اليوم تحتضن واحدة من أكبر التجمعات السودانية خارج البلاد..وربما أكبرها على الإطلاق في التاريخ الحديث.. ملايين السودانيين وصلوا إلى مصر بفعل الحرب..بينهم أسر كاملة وطلاب ومرضى ورجال أعمال ومهنيون.. إضافة إلى أعداد كبيرة من العالقين أو العابرين.. هذا التمدد الضخم للجالية أحدث ما يشبه الإنفجار في العمل القنصلي والإداري.. وفتح عشرات الملفات الجديدة التي لم تكن موجودة قبل الحرب.. ملفات الإقامة.. التعليم..الرعاية الصحية.. التنسيق مع السلطات المصرية.. متابعة الحالات الإنسانية.. فضلاً عن القضايا القانونية والإجتماعية التي تنشأ في أي مجتمع كبير ومتنوع..
هذه الكتلة البشرية الضخمة التي تضم كل أطياف المجتمع السوداني السياسية والإجتماعية والثقافية..وضعت السفارة أمام معادلة شديدة الصعوبة.. طلبات متزايدة بلا توقف.. مقابل إمكانات محدودة وعدد دبلوماسيين لا يتسق إطلاقاً مع حجم المهمة..
من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن تظهر مشكلات في الخدمات..وأن تتكرر شكاوى من بطء الإجراءات أو الضغط في المعاملات..البعثة الدبلوماسية بالقاهرة تحولت لمركز خدمة لجالية بحجم دولة كاملة..وربما مجموعة دول صغيرة في المنطقة ولابد للإختناقات أن تصبح جزءاً من الواقع اليومي..لكن من المهم أيضاً أن يُقرأ هذا الواقع بقدر من الإنصاف بعيداً عن التوقعات المثالية التي لا تراعي طبيعة الظرف الإستثنائي..
السفير السوداني في القاهرة وطاقمه يعملون داخل مساحة دبلوماسية محدودة.. ومحكومة بإطار سياسي معقد تفرضه ظروف الحرب وتوازنات الإقليم.. فالسفارة لا تتعامل فقط مع شؤون الجالية بل تمثل السودان أيضاً لدى جامعة الدول العربية.. وهو ملف سياسي حساس يتطلب حضوراً دبلوماسياً مكثفاً ومتابعة يومية للملفات الإقليمية المرتبطة بالأزمة السودانية وتقاطعاتها ومؤامراتها وهوامشها وجرحها المفتوح علي ظلم ذوي القربي وخنجر القريب (الغريب)..
إلى جانب ذلك.. أصبحت القاهرة محطة إنطلاق عدد كبير جداً من الدبلوماسيين السودانيين المتجهين إلى مواقع أخرى حول العالم.. أو القادمين منها.. هذا الواقع ألقى على السفارة عبئاً إضافياً في التنسيق الإداري واللوجستي وهو عبء غير مرئي في الغالب بالنسبة للرأي العام..لكنه يستنزف قدراً كبيراً من الجهد والوقت..
لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن الأداء خال من الأخطاء.. فهناك بالفعل ملاحظات تظهر بين حين وآخر في الإدارة أو التنظيم أو آليات التواصل مع الجمهور.. كما أن بعض الملفات تتسرب إلى الإعلام..وتتحول أحياناً إلى جدل واسع داخل الجالية ومجتمعات المقيمين وأعين المراقبين ..هذه ظواهر مألوفة في أي مؤسسة تعمل تحت ضغط شديد وفي بيئة معقدة..ومفتوحة
لكن القراءة العادلة للمشهد تقتضي التمييز بين النقد الضروري لتحسين الأداء..وبين التقليل من حجم الجهد المبذول في ظروف إستثنائية بكل المقاييس..
فالسفارة السودانية في القاهرة لا تعمل في ظروف طبيعية..كما هو الحال في كل أجهزة الدولة وسفاراتها ..هو سياق حرب مفتوحة ألقت بآثارها على كل الدولة..ودفعت بملايين المواطنين إلى خارج البلاد في فترة زمنية قصيرة.. ومع ذلك ما زالت هذه المؤسسة تحاول..بإمكانات محدودة..أن تبقي خيوط التواصل قائمة بين الدولة ومواطنيها..
لهذا فإن المطلوب اليوم ليس فقط رصد الأخطاء أو تضخيمها.. بل بناء مناخ من التعاون بين الجالية والسفارة..فحجم التحدي أكبر من أن تتحمله مؤسسة واحدة.. وأوسع من أن يُختزل في تقييم إداري هنا أو شكوى خدمية هناك..
في مثل هذا الوقت الصعب يصبح دعم المؤسسات الوطنية واجباً بمثلما يظل نقدها حقاً مشروعاً.. وبين الواجب والحق تبقى الحقيقة الأوضح أن السفارة السودانية في القاهرة تقف في الخط الأمامي لإدارة واحدة من أعقد نتائج الحرب..شعب كامل يبحث عن سند مؤسسي يحفظ صلته بوطنه..
ولكني أحدثكم غداً إن شاء الله عن بعض الإسقاطات السالبة التي تجلب السخط وتقود له من داخل الصندوق..حيث بعض منسوبي السفارة أو مدعي الإنتساب الذين تُؤتي من قبلهم ولا شك..



