
بقلم : أمل أبوالقاسم
أثارت التهديندات المنسوبة لعبدالمنعم الربيع، المستشار بمليشيا الدعم السريع، بشأن استهداف السد العالي في مصر، موجة واسعة من اللغط والتساؤلات بين السودانيين الذين أوسعوه شتما قبل المصريين، ليس فقط لخطورة الهدف المعلن، بل لما تحمله اللغة المستخدمة من تصعيد غير مسبوق يمس الأمن القومي المصري ويستدعي أبعاداً إقليمية ودولية معقدة.
لكن السؤال الجوهري يبقى: ما مدى جدية هذا التهديد؟ وهل يعكس قدرة حقيقية أم أنه جزء من حرب نفسية وسياسية.؟ فضلا عن تساؤلات أخرى.
أولاً: هل يملك الدعم السريع القدرة الفعلية؟
من الناحية العسكرية والواقعية، لا توجد مؤشرات موثوقة على امتلاك مليشيا الدعم السريع قدرات تمكّنها من تنفيذ هجوم نوعي على منشأة استراتيجية محصّنة مثل السد العالي، الذي يُعد من أكثر المنشآت حماية في المنطقة، ويخضع لتأمين متعدد، مصرياً وإقليمياً ودولياً حسبما تقول سيرته.
حتى في أقصى تقديرات الدعم الخارجي للمليشيا، سواء لوجستياً أو تقنياً، فإن استهداف السد العالي:
يتطلب قدرات عسكرية هائلة.أو أو تقنيات اختراق متقدمة. وغير ذلك من المعينات. وكلها عناصر لا تتوفر للدعم السريع في وضعه الحالي، سيما بعد بات يخوض حرب استنزاف داخل السودان نفسه.
وعليه، يمكن القول إن التهديد لا يستند إلى قدرة تنفيذية حقيقية، بل يندرج أقرب إلى التصعيد الخطابي والدعائي أي محض (زوبعة في فنجان).
ثانياً: لماذا هذا التصعيد الآن؟.
لا اعتقد ان التوقيت عفوياً. حيث يأتي هذا الخطاب في ظل: تقدم ميداني للقوات المسلحة السودانية في عدة محاور. كذلك تراجع شرعية الدعم السريع دولياً، وتصاعد المطالب بتصنيفه كمنظمة إرهابية.
إلى جانب تنامي التنسيق المصري–السوداني سياسياً وأمنياً، ووضوح الموقف المصري الداعم لوحدة الدولة السودانية ومؤسساتها والذي باتت تردده مصر كثيرا وتؤكد المؤكد.
في هذا السياق، يبدو أن التصعيد يخدم عدة أهداف: منها رفع سقف التهديد لتحويل الصراع من نزاع داخلي إلى ملف إقليمي. محاولة شيطنة الدور المصري وتقديمه كطرف مباشر في الحرب.
ثمة سؤال ثالث. هل هناك جهة تحرّض أو توجّه هذا الخطاب؟ فاللغة المستخدمة، خاصة الطعن في هوية الدولة المصرية واستدعاء سرديات أيديولوجية وتاريخية، توحي بأن الخطاب:يتجاوز ردود الفعل الانفعالية. ويحمل بصمات تحريض سياسي مسبق. ولا غرو في ذلك فمنذ ما قبل الحرب، ظلت بعض القوى السياسية السودانية، التي تحولت لاحقاً إلى ظهير سياسي أو إعلامي للمليشيا، تتبنى خطاباً عدائياً تجاه مصر، مرتبطاً بملفات: العلاقة مع الجيش السوداني. فضلا عن الموقف من الإسلاميين.
كذلك قضية حلايب وشلاتين. إلى جانب والدور الإقليمي لمصر في السودان .
هذه الرواسب الفكرية والسياسية لم تُنتجها الحرب، بل أعادت الحرب إخراجها بصورة أكثر فجاجة، مع انتقال بعض الفاعلين من مربع السياسة إلى مربع التبرير للعنف والتهديد العابر للحدود.
رابعاً: ترى ما الرسائل الكامنة خلف التهديد؟
التهديد لا يُقرأ بمعزل عن كونه: رسالة ضغط على القاهرة لثنيها عن أي دور أكثر حزماً في الملف السوداني. ورسالة للداخل السوداني مفادها أن المليشيا قادرة – نظرياً – على توسيع رقعة الحرب.
رسالة للخارج بأن تجاهل الدعم السريع قد يقود إلى فوضى إقليمية أوسع. لكن هل يتحقق لها ذلك أم على نفسها جنت براقش!
هذه الرسائل تحمل في طياتها مخاطرة كبرى، إذ إن استهداف السد العالي – حتى خطابياً – ينقل المليشيا إلى خانة التهديد للأمن الإقليمي والدولي، وهو ما قد يسرّع من عزلتها بدلاً من إنقاذها.
ويمكن توصيف تهديد السد العالي بأنه: تصعيد خطابي خطير. لكنه يفتقر إلى القدرة الواقعية. ويعكس أزمة سياسية وعسكرية تعيشها المليشيا أكثر مما يعكس قوة.
كما يكشف الخطاب عن تحول بعض روافد الصراع السوداني من نزاع على السلطة إلى خطاب عدائي أيديولوجي عابر للحدود، وهو تطور ينذر بعواقب جسيمة على السودان نفسه قبل غيره.
وفي المحصلة، فإن مثل هذه التهديدات، بدلاً من أن تُربك الخصوم، قد تفتح الباب أمام إجماع إقليمي ودولي على التعامل مع الدعم السريع بوصفه خطراً يتجاوز الداخل السوداني، وهو ما قد يكون أخطر ما في هذا التصعيد.



