تأملات – جمال عنقرة – السودان .. شعب واحد جيش واحد

هذا الهتاف (شعب واحد جيش واحد) الذي كان يردده متظاهرو ثورة ديسمبر المجيدة وهم علي تخوم القيادة العامة للقوات المسلحة، احتشدت فيه كل عبقريات التكوين السوداني، وهو الموقف العبقري الذي قاد ثورة ديسمبر إلي تحقيق مبتغاها، وعبورها بوابة النصر، واسقاطها نظام الإنقاذ بعد ثلاثين عاما من الحكم، في وقت لم يكن يتوقع فيه الكثيرون سقوطه، ومظاهرات ديسمبر 2018م، لم تكن هي المظاهرات الأقوي التي تخرج ضد حكومة الإنقاذ، فمظاهرات سبتمبر 2013م، كانت أقوي منها وأعنف، واستمرت أطول منها، وسقط فيها من الشهداء أكثر ممن سقطوا في مظاهرات ديسمبر 2018م، ولكن في ديسمبر كانت كلمة القوات المسلحة هي الحاسمة. ولم يكن الجيش وحده الذي انحاز لثورة الشعب، ولكن فعلت ذلك كل الأجهزة العسكرية والأمنية في البلاد، من خلال اللجنة الأمنية العليا التي تضم قادة القوات المسلحة، والشرطة، والأمن، والدعم السريع، فجاء قرار هذه اللجنة للانحياز لثورة الشعب بالإجماع.
ولقد أشرت في مقال سابق إلى مسألة مهمة يبدو أن كثيرين لم يتوقفوا عندها قبل ذلك، وهي أن الانقلابات علي الديمقراطية في السودان تفعلها الأحزاب السياسية، وأن الثورات الشعبية التي تخرج لاستعادة الديمقراطية ينصرها الجيش، وذكرت الأمثلة الدالة علي ذلك، ففي نوفمبر قادت خلافات الأحزاب إلي أن يستدعي رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة ويسلمه الحكم بطوعه واختياره، وفي مايو 1969م، تآمر الشيوعيون مع بعض اليساريين والقوميين العرب، واستولوا علي السلطة بواسطة مجموعة محدودة من الضباط والجنود تحركوا من منطقة (خور عمر) شمال أم درمان، وفي الثلاثين من يونيو عام 1989م، فعلتها الجبهة الإسلامية القومية، ونفذت الانقلاب بمجموعة محدودة جدا من العسكريين، مع آخرين من المدنيين الإسلاميين الذين أعدهم الحزب لذلك، وفي المقابل فإن ثورات أكتوبر 1964م، وأبريل 1985م، وديسمبر 2018م، كلها تحققت بنصرة الجيش السوداني.
وبين يدي الآن حديث مهم للرئيس الوطني الراحل المشير جعفر محمد نميري عن عبقرية الجيش السوداني التى أهلته للقيام بهذه الأدوار العبقرية في تاريخ السودان، يستحق أن نورد بعضه في هذا المقام، فيقول الرئيس نميري يرحمه الله (الجيش في السودان مؤسسة قومية لم تطلها يد التخريب والتمحور، حتى في أسوأ أوضاع السودان السياسية، وهذه ميزة تفرد بها جيش السودان عن كثير من المؤسسات العسكرية في دول العالم الثالث علي وجه الخصوص، مما جعل له هذا الدور الطليعي في الثورات دون سواه من جيوش بلدان عربية وافريقية واسيوية مشابهة، فعلي امتداد التسلسل القيادي في القوات المسلحة تجد دائما التداخل النوعي لأصول الضباط والجنود، وهو تداخل صاغته القوات المسلحة بحكم تنظيمها وقوانينها، ولوائحها، والأهم من ذلك صاغته رسالتها وهدفها السامى، وهو الدفاع عن السودان، كل السودان. ففي القوات المسلحة ليس هناك اعتبارات عرقية أو ثقافية تؤهل للتدرج أو تعصم من العقاب، أو تحجب الثواب، وانما هناك معايير موحدة في جميع الحالات، الكفاءة مدخل الترقي، والإهمال والسقوط مدخل العزل والعقاب، ذلك فضلا عن أن حجم القوات المسلحة في السودان لا يتناسب مع مساحة القطر الشاسعة، وتعدد منافذ حدوده التى ينبغي عليها الدفاع عنها كلها، ويفرض ذلك علي الجيش السوداني أن يكون في حالة حراك دائم، لذلك فالقوات المسلحة بكل فصائلها وأسلحتها، بكل قواتها وجنودها، بكل رتبها ومراتبها، هي في حالة معايشة متصلة لكل أنحاء السودان، معايشة ليست للمكان فقط، وإنما هي في المقام الأول، معايشة واختلاط وتداخل مع سكان تلك المناطق، وهي معايشة تفرض الاحتكاك الشخصى، والحياة اللصيقة.)
وبهذا التكوين العبقري الفريد استجابت القوات المسلحة السودانية في الحادى عشر من شهر أبريل عام 2019م، لهتاف الشعب السوداني، (شعب واحد جيش واحد) وهذا التلاحم الحميم بين الشعب والجيش الذي جسدته ثورة ديسمبر المجيدة، هو سر نجاح هذه الثورة، وسر تألقها، ولذلك ظللت علي المستوى الشخصي، وظل كثيرون ممن يقرأون تاريخ السودان يحذرون من عواقب محاولات البعض عزل الجيش، وانزاله من قطار الثورة، واختلاق القصص والحكايات المفبركة التي يحاولون بها شيطنة القوات المسلحة، وتجريم قادتها، فلن ينصلح حال هذا البلد، ولن تستمر الثورة، ولن تبلغ غاياتها، إلا باستمرار هذا الانسجام العميق، واستدامة الترابط بين الشعب والجيش، ولذلك نقول لعقلاء الحرية والتغيير -وما أكثرهم – نقول لهم، (أبقوا عشرة) علي التحالف مع المؤسسة العسكرية، فالثورة تسير بساقي المكون العسكري، والحاضن السياسي المدني، وسند الشعب من بعد توفيق الله تعالي. ومن يسعي لغير ذلك يلقي حتفه، وتستمر مسيرة الثورة بإذن الله الناصر النصير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى