
في مقَالٍ سَابْقٍ توقفنا عند مسيرة أستاذنا الكبير المغفور له بإذن الله تعالى ، الدكتور إبراهيم دقش ، وكيف إكتسَب جَدَّه إسم دقش بعد أن (دقش الخلا) مغاضباً إثر خلافٍ مع بعض أهله حول ساقية في غرب النيل قريباً من منطقة أبوحمد في الشّمَاليّة ، إنتقل بعْدّه إلى الضّفّةِ الشّرقيّة ليسْتصْلِح جزءاً من الصّحْرَاء مُتحدّياً مخالفيه ، وينجح في إستزراع الأرض اليباب التي أينعَتْ وإخْضرّت ، ليختارها الإنجليز محطة للسكة الحديد بعد محطة أبوحمد عند إنشاء الخط الحديدي الرابط بين وادي حلفا والخرطوم .
وفي محطّة الراحل المقيم الدكتور إبراهيم محمد إبراهيم سليمان ” دقش ” الأخيرة ونحْنُ في مأتمه المحضور من الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء والمعارف وعارفي فضل الرّاحل المقيم ، كُنّا نُعدِّد مآثره ، وبعضنا يحكي عن مواقف لا تُنْسَى معه ، ولمْ يخْلُ الأمر من التطرّق للشأن العام .
في تلك الجلْسَة دار حديثٌ طويل حول سدّ النهضة الأثيوبي ، وشارك فيه أستاذ الأساتيذ البروفيسور علي شُمّو الخبير الإعلامي الدولي والخبير المُلِم بالشأن السياسي الداخلي والإقليمي من حولنا ، كما شارك الدكتور الصادق الهادي المهدي ، وهو من الذين يعرفون هذا الملف معرفة تامّة وشاملة ، رغم تخصصه في جراحة وأمراض القلب ، لكنها السياسة التي جعلته يُمْسِك بملفات أخرى ليصبح خبيراً فيها ، إلى جانب العميد الركن الدكتور الطّاهر أبوهاجة ، المستشار الصحفي والإعلامي للسيّد الفريق أول ركن عبدالفتّاح البُرهان ، رئيس مجلس السِّيَادةِ الإنتقالي ، والذي إبتعث أبوهاجة مُعزّيّاً وموفداً من قبله ، إضافة إلى آخرين .
أجمع من كان في تلك الجلْسَة على أن سدّ النهضة الأثيوبي لم يجد حظّه من الدراسة الوافية من الجانب السوداني الذي إندفع في النِّظَام السابق إلى الترحيب به أيام الإعلان عنه ، ليكيد للنظام المصري دون مراعاة للمخاطر والمُهدّدات الأمنية التي تجابه السودان ، وقدّم كُلّ مُشَارِكٍ دفوعاته مسنوداً بمنطقه ، ووجهة نظره الخاصة ، وتحليله للأوضاع عامّةً في المنطقة والإقليم .
السؤال الذي لم يجِد إجابة حتى إنفضاض تلك الجلْسَة ، كان هو عن النتائج المتوقّعة بعد تعنُّت أديس أبابا في مواقفها حول هذه القضيّة التي تحولت إلى مجلس الأمن الدولي ( ! ) ّ
شخْصيّاً أتوقّع في حال إستمرار التعنّت الأثيوبي ، وتمسّك مصر بموقفها العامل على حماية أمنها المائي ، ومع موقف السودان القائم على تقريب وجهات النظر ، أن نكون أكبر مُتضرّرٍ من قيام السّد ، وسوف نتأذى في حجم وكميات المياه التي كانت تتدفّق من الهضبة الإثيوبية ، وسوف يتأثر إنتاجنا الكهربائي القائم على التوليد من الخزانات ، كما ستتأثر بل قُل تتقلّص مساحاتنا المزروعة بنقص متوقّع في المياه .
دعونا بالرحمة والمغفرة لفقيدنا العزيز ونحن نغادر سرادق العزاء ، وكُنْتُ أتساءل بيني وبين نفسي عن موقف دقش رحمه الله لو كان بيننا وقد كان خبيراً في الشأن الأثيوبي من معايشة إستمرّتْ سنوات عدّة قضاها مقيماً في العاصمة الإثيوبية ناطقاً رسمياً بإسم منظمة الوحدة الإفريقية ومديراً لوكالة أنباء عموم أفريقيا ( بانا ) وسفيراً غير رسمي لبلادنا هناك . مؤكد أن موقف دقش كان سيكون منحازاً لمصلحة السودان .
الجمعة الثالث من يوليو 2020 م


