مصطفي ابو العزائم يكتب : الزلزال (1 )

بعد..و..مسافة
قد يتبادر إلى ذهن المُطّلعِ على عنوان هذا المقال القصير أنه سيكون عن مسيرة الثلاثاء ، وما هو كذلك ، لكن الأحداث تتشابك دائماً عندما يتصل الأمر بالقضايا العامة ، ونجد أن خيوط الأحداث تتداخل عندما نتناول شأناً عاماً ، صحيح أن هناك تخوُّفات لدى البعض مما ينتج عن مسيرات الثلاثاء الموافق الثلاثين من يونيو الجاري ، فالبعض يخشى من مصادماتٍ بين المجموعات التي تنادت للخروج ، لأن لِكُلِ جماعة شأن وهدف يختلف عن أهداف الآخرين ، والكُلُ يرَى أنه الأصح موقفاً من الآخرين .
الزلزال الذي نعنيه ليس بزلزال داخلي ، لكن أحداث الداخل قد تُعجِّل بوقوعه من الخارج ليضرب الداخل ونحن في غمرة صراعات وتحالفات وتكتّلات بين الكُتَلِ والجماعات والأحزاب السياسية ، لا ننظر إلى ما حولنا إلا بعين مغمضة .
الخلافات بين دولتين جارتين شقيقتين هما مصر الشقيقة وإثيوبيا حول سدّ النهضة ،ومحاولة جرّ السودان ليلعب دور الوسيط ، نعتبره جزءاً من تصدُّعٍ في شكل علاقات بلادنا الخارجية والجوار الإقليمي المباشر ، فالسودان يجب ألا يكون وسيطاً لأنه متأثر مباشرة ببناء السد الأثيوبي ، الذي يؤثر على الحقوق التاريخية لبلادنا في مياه النيل ، ونحن نرى الآن أن جهات خارجية ذات مصالح مباشرة في إضعاف دولتي وادي النيل ، صنعت مجموعات ضغط إقليمية وعالمية لتحقيق ذلك الهدف ، من خلال دعم هذه اللوبيات لدور الإتحاد الإفريقي مباشرة ، دون إلتفات – حتى – لدور أو مواقف جامعة الدول العربية ، وهو ما سيعمل على عزل السودان ومصر من المجتمع الإفريقي ، مع عدم الإكتراث لما قد يترتب عليه بدء ملء السد خلال الأسابيع القادمة ، دون مراعاة لأمان السد أو الأمن المائي للبلدين ، ولن تقبل مصر أو أثيوبيا بموقف وسط للسودان في هذه القضية ، لذلك يصعب تماماً أن تلعب بلادنا دور الوسيط وهي أول المتأثرين – جغرافياً وبيئياً وإجتماعياً إقتصادياً – ببناء السد وملئه وتشغيله .
مهما إرتفعت الأصوات بعبارات الصداقة والمجاملة إلا أن لغة المصالح المعلنة أو غير المعلنة هي التي يجب أن تحكم العلاقات بين الدول ، خاصة إذا إرتبط الأمر بأي شكل من أشكال الأمن القومي بمختلف أنواعه وأوجهه ، وما الذي يحدث على حدودنا الشرقية من هجمات ،وكرٍّ وفرٍّ من قبل ما يسمّون بعصابات الشِفْتَة – وما هم بشِفْتَة – إلا رسائل مؤلمة لمتخذي القرار في الخرطوم ، و قد دفعت قواتنا المسلحة الثمن غالياً من خلال تصدّيها الشُجَاع لتلك الهجمات الغادرة ، وقد نجحت في إبطال مفعول الرسائل الملغومة ، ولها أن تتخذ من قرارات حاسمة لأي فوضى تهدد أمن وسلامة البلاد .
هناك أيضاً مخاطر كبيرة محتملة من جهة حدودنا الشمالية الغربية مع ليبيا الشقيقة ، فالصراع على السلطة بين حكومة السرّاج وبين قوات خليفة حفتر ، مهما كانت نتائجه بإنتصار جماعة على أخرى ، سيًشكِّلُ مهدداً أمنيّاً كبيراً وخطيراً على بلادنا ، لأن القوات الخاسرة للحرب هناك ستنسحب إلى بعض دول الجوار الليبي ، وفي هذا ما يمكن أن يصيب بلادنا بأضرار كبيرة منها السياسي ومنا الأمني ومنها الإقتصادي .
إذاً نستطيع القول و التأكيد على أن ما يحدث في الداخل السوداني له تأثيراته على متخذي القرارات في الخارج خاصة فيما يتصل بالقضايا التي ترتبط بهم وبمصالحهم .
رسالتنا بكل وضوح لمن يصطرعون على السلطة دون تحسّب لنتائج عدم الإتفاق ، ودون نتائج لمخاطر محاولات الإقصاء والعزل السياسي ومحاولة جرّ القوات المسلحة إلى ما يصرفها عن أدوارها الرئيسية في حماية الوطن .
اللهم بلغت فأشهد

*صحيفة الأخبار السودانية النسخة الإلكترونية عدد الإثنين 29 يونيو 2020م*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى