
تأملات
جمال عنقرة
لم يحدث أن استخدمت كلمة (قحت) اختصارا لقوي إعلان الحرية والتغيير، كما يفعل كثيرون، ذلك أن من سنتنا أن ننادي الناس بأحب الأسماء إليهم، وفي ظني أن كلمة قحت غير محببة عند أصحابها، أو علي الأقل يستخدمها خصومهم للتقليل من شأنهم، وأنا لا أضع نفسي في خانة الخصوم، لا لهم، ولا لغيرهم، إلا أنني وجدت نفسي اليوح مضطرا لاستخدام الكلمة للاختصار، وللاشارة المباشرة، لا لشئ غير ذلك، وفي المقابل استخدمت أيضا لأول مرة كلمة (الفلول) للتعبير عن منسوبي حزب المؤتمر الوطني الذين لم يستوعبوا بعد سقوط نظامهم، وانهيار حكومتهم، ولا يزالون يحلمون بدوران عقارب الساعة إلي الخلف.
الوضع الآن في السودان لا يحتمل (اللف والدوران)، ولا أقول الثورة، ولكن السودان كله صار في مفترق طرق، ولقد تعود السودانيين علي تضييع أشيائهم الجميلة، وكم من ثورة ضاعت قبل ذلك وذهبت أدراج الرياح، وثورة ديسمبر المجيدة نفسها كادت أن تضيع، وفي ظني أن مسيرة الثلاثين من يونيو الموعودة تمثل بارقة أمل، وقد تكون الفرصة الأخيرة لتصحيح مسار الثورة، ولذلك يجب أن نعض عليها بالنواجز، ولا ندعها تضيع كما ضاعت سابقاتها.
مسيرة الثلاثين من يونيو الموعودة تشبه إلي حد كبير المسيرات الأولي التي انطلقت في اشراقات ثورة ديسمبر، فلقد كانت مسيرات شعبية وطنية قومية، ذات أهداف واضحة ومحددة، سياسية وغير سياسية، ولم يكن للأحزاب السياسية دور فيها، بل إن بعضهم كانت لديهم آراء سالبة في المظاهرات لم يخفوها، فلما لاحت بوادر النصر سعي الجميع لركوب قطار الثورة، حتى بعض الذين كانوا طرفا أصيلا في العهد السابق، من منسوبي الحزب الحاكم آنذاك ومن شركائه في الحكم، ادعوا الثورية، وكل ذلك معلوم وموثق، ولقد كان النصيب الأكبر في ادعاء الثورية واحتكارها لبعض قوي اليسار الصغيرة التي استفادت من دقة تنظيمها، ودربة كوادرها، فورث هؤلاء الثورة، وصار لها القدح المعلي في ريعها، وصارت كل الأمور بيدهم.
المسيرة القادمة لم يكن لحزب دور في مبادرة الدعوة إليها، وليس في مقدور أي حزب التأثير علي حشد هذه المسيرة، ولكن كلهم صاروا يدعونها، ويزعمون أنها لهم، وكل هذه ادعاءات كاذبة، سواء كانت من بعض مكونات قوي إعلان الحرية والتغيير، أو من بعض بقايا النظام السابق.
فعلي قوي الإعلان أن تعلم أن هذه المسيرة تخرج ضد سياساتهم، وضد حكومتهم، وهي تخرج من أجل إصلاح شامل وتصحيح كامل لمسار الثورة، وأن محاولاتهم لتزوير إرادة الشعب، وتجيير المسيرة لصالح أهداف عجزوا عن تحقيقها سوف تبوء بالفشل الذريع بإذن الله تعالي، وعليهم أن يكونوا موضوعيين، وليعلموا أن الشعب قد وعي الدرس جيدا، ولن تسري عليه بعد ذلك الحيل والألاعيب.
وعلي الواهمين من منسوبي المؤتمر الوطني أن يدركوا الحقائق، والنظر بعين العقل، فالشعب الذي ثار ضد حكومتهم في التاسع عشر من ديسمبر 2018م، لن يخرج في الثلاثين من يونيو 2020م، لاعادتهم إلي الحكم مرة أخري، فحكمهم قد انتهي، وذهب إلى غير رجعة، والتاريخ لا يعود إلى الخلف، ومن أراد أن يكون له دور في المستقبل، فليستوعب المتغييرات جيدا، ويحسن القراءة، والثورة القادمة ثورة من أجل وطن يسع الجميع، وطن بلا تزوير، وطن بلا إقصاء، وبلا تمكين، وطن يجد فيه كل سوداني نفسه، فمسيرة الثلاثين من يونيو مسيرة شعبية وطنية قومية، والفلول والقحاتة يمتنعون.


