ابراهيم عربي يكتب : (محاكمات رموز الإنقاذ) … مطاردة الساحرات (19) 

الخرطوم الحاكم نيوز
نواصل بحثنا الإستقصائي وفي هذه الحلقة نواصل مشوارنا في جرد حساب النائب العام السابق ، بغرض إستخلاص الدروس والعبر من تجربة أداءه ، هدفنا من ذلك أن ينصلح الأداء العدلي في بلادنا ، فمطلب العدالة يجمع الكل علي جوهريته وضرورته ، وكنا قد توقفنا في الحلقة السابقة عند الإجراءات الجنائية التي إستحدثها النائب العام السابق وإستغلالها كبديل للإعتقال السياسي الذي كان يتم بواسطة قانون الأمن وهي ممارسة سيئة ألقت بظلالها علي مجمل الأداء العدلي بالبلاد .
فضلا عن إستحداثه لما عرفناه بإعادة تدوير الوقائع ، وإعتباطية الإتهامات ، وتحركها المستمر فلا يكاد ينهار إتهام تجاه متهم ويصبح مستحقا الإفراج عنه حتي تدور عجلة الإتهامات تجاه وقائع أخرى بغرض إبقاء المتهمين رهن الحبس والإعتقال ، في ممارسة أخطر مافيها إنها تزهد تماما في إختيار الوسائل القانونية وإجراءاتها كسبيل وحيد لإنهاء الخصومة الأمر الذي يفتح الباب واسعا تجاه خيارات تعصف بمجمل البيئة الآمنة لنيل الحقوق الأمر الذي ينذر بأخطار جدية تهدد أمن الوطن وسلامته ، وليس هناك ماهو أخطر من الوصول الي قناعة بأن الوسائل القانونية ليست بذات جدوي في نيل الحقوق .
ينظر الرأي العام القانوني لمدي إستطلاعنا الواسع للمشتغلين والممارسين لمهنة القانون ، من أن إستعانة النائب العام السابق بعدد من الناشطين السياسيين وإحاطتهم به إحاطة السوار بالمعصم وتحكمهم في قرارته والتي هي بمثابة قرارات (شبه قضائية) إنها من أكبر مثالب أداء مولانا الحبر ، إضافة لتعيينه لهم في لجان التحري والتحقيق في الجرائم المدعي إرتكابها ، وهي بدعة سيئة إبتدعها النائب العام الأسبق مولانا عمر عبد العاطي عقب إنتفاضة أبريل 1985 ، وتسببت في كوارث لايزال صداها داويا ومستمرا ، ومنها كارثة تربح البعض من تلك الإجراءات القانونية .
علي الرغم من إتخاذ مولانا عبد العاطي لقرارات وإجراءات في حق بعض المتهمين من المحامين الذين إستعان بهم في تلك الفترة (ونحجم عن ذكر الأسماء خاصة وأن معظهم توفي إلى رحمة مولاه ، وحفاظا علي مشاعر أسرهم) إلا أن ما ألحقته من أذي بمهنة الإدعاء العام لاتزال مستمرة ، مثل هذه الأوضاع (الإستعانة بمحامين ممارسين للمهنة ولاتزال مكاتبهم مفتوحة لتلقي الدعاوي) أنتجت سوق عمل غير عادل وتغيب عنه قواعد المنافسة الشريفة ، كما إنها حطت بشرف مهنة الإدعاء العام وجعلت منه سوقا للتكسب الشخصي والإثراء بلا سبب ، فانتعشت بعض مكاتب المحاماة وضمرت أخرى ، لأسباب غير مهنية تماما . 
كما أن الإحساس بالعدالة في وجدان من أتخذت بشأنهم إجراءات الإدعاء أصيب في مقتل نتيجة تمكين الخصوم السياسيون من رقاب غرمائهم ، نتج أيضا من مشاركة النشطاء السياسيون في لجان التحقيق مع رموز النظام السابق ، أن إندفع هؤلاء بدون روية وتدبر في محاولات يائسة لإثبات ماكانوا يتداولونه في إطار التعبئة لاسقاط النظام السابق من مثالب وحكايات عن ذلك النظام ومعظمها كانت من قبيل مايعرف حاليا في الوسط الاعلامي (علف القطيع) ، لذلك إتخذت التحريات مع رموز النظام منحا غريبا ، فقد بات علي المتهمين إثبات براءتهم ، وهو واجب أصيل علي الإتهام وليس الدفاع ، وإزاء عجزهم عن تحويل ذلك (العلف) إلى قضايا متماسكة ، ظهرت الممارسات الغير قانونية في إجراءات تجديد حبس المتهمين دون أن يكون هناك مسوغ لذلك ، التجديد دون حضور المتهم لإبداء السبب المانع ، إعادة تدوير الوقائع ، والأنكي ظهور طائفة من الشباب جاهزة بعرائض أمام النيابات لفتح بلاغات جديدة إذا ما ظهر أن البلاغات المفتوحة سيتم شطبها !.
ويؤخذ أيضا علي تجربة أداء مولانا الحبر ، إنها أنتهجت نهجا لم يكن يعرفه السودان من قبل ، فإن تمتد إجراءات الإتهام لتشمل أسرة المتهم ، فهذه ممارسة لها أثرها المدمر علي نسيج مجتمعنا السوداني ، والذي كان دوما مخففا وممتصا لصدمات الخصومات السياسية لا جزء منها ، ومع هشاشة الأوضاع الماثلة الآن في كل المجالات فإن مهددا جسيما للأمن الإجتماعي تمت إضافته لوطننا دون وعي بآثاره المدمرة .
 لذلك رأينا التداعي والإصطفاف القبلي لأول مرة تجاه الإجراءات الجنائية المتخذة حيال المتهمين أو المشتبه بهم رغم أن القاعدة الراسخة في ممارستنا الإجتماعية كان هو النأي عن دخول القبائل إلى ساحات العدالة إلا من باب المصالحات والتداعي للوفاء بمستحقات مايقضي به القضاء في الخصومات مثل المساهمة في دفع الديات ، لن تتعافي العدالة قريبا وهو أمر مؤسف من جراء ماعلق بها من إتهامات من أنها تجري علي سبيل الكيد السياسي لا تحقيقها في مفهومها القانوني المجرد ، فانفتح الباب واسعا لمناهضتها بكل السبل ومنها التداعي القبلي الأمر الذي ينذر بأفول شمس العدالة في بلادنا لفترة ليست بالقصيرة الي حين إزالة تلك الصورة الذهنية السالبة التي علقت بها.
وحتي نقدم الشواهد علي ماقدمنا من قول في بحثنا الإستقصائي ، نقدم الأمثلة التالية ، السيدة وداد بابكر وضعت رهن الحبس والإعتقال لما يزيد عن العام في رحلة بحث طويلة عن ممتلكات إدعي أنها لها ، ولم يكن ذلك إلا لكونها زوجة الرئيس المعزول ، تم جحد حق المرحوم عبد الله البشير في الإفراج عنه بكفالة (رغم تصديقها وتقديمه لصك مالي بقيمتها) إلا لكونه شقيق الرئيس المعزول ، والأمثلة كثيرة فلاداعي للتكرار ، رغم القاعدة القانونية الراسخة (أن المتهم برئ إلا أن تثبت إدانته ..!) .
نواصل السبت المقبل …
الرادار .. 12 يونيو 2021 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + أربعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى