تأملات – جمال عنقرة – لا تفويض للجيش .. ولا انقلاب علي الثورة

لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن يصير الحال في السودان بعد ثورة ديسمبر المجيدة إلى ما صار إليه اليوم، ولو كان الراحل المقيم الشريف زين العابدين الهندي قد وصف حال البلد في نهايات عهد الحزبية الثالثة وزهد الناس في الديمقراطية التي ذاقوا الويل في عهدها بقوله المشهور (لو شالها كلب مافي زول يقول ليهو جر) فإن قصيدة شاعرة الثورة الدكتورة مشاعر البدوي في ذكراها الأولي (الثورة انسرقت) تعتبر أبلغ وصف لحالنا هذه الأيام، وتقول الدكتورة مشاعر في مطلع قصيدتها
ثورتنا انسرقت
وقيمنا اندثرت
وأحوالنا ما فرجت
بل بالعكس انخربت
قاعدين بنتفرج
في النحن جبناهم
لحكومة .. سموها مدنية
تغيير وحرية
تغيير بلا تغيير
وتعيين بلا تفكير
وتوظيف بلا تدبير
وقرار بلا تنوير
وطلعنا نحن الطير
* * * * * * * *
ثورتنا انسرقت
وبقينا شعب حزين
طلعنا شعبا بيش
من الصباح نكوس في العيش
* * * * * * * * * * *
ومع ذلك لم ترق لي دعوة البعض لتفويض الجيش لاستلام السلطة، فهذه دعوة غريبة، لا تستقيم مع تحديات المرحلة، ولا مع دور الجيش في الثورة، فلا يختلف اثنان في أن الأوضاع في بلدنا بلغت درجة من السوء لم تخطر علي عقل بشر، ولكن تبديل هذه الأحوال وتحسينها يكون باستكمال مطلوبات الثورة وتصحيح مسارها، لا الانقلاب عليها، والجيش الآن يعمل في ظل منظومة متكاملة، هو الطرف الأصيل فيها، وحامي حماها، ويبدو أن سوء أداء الشريك المدني في الثورة هو الذي دعا كثيرين للخروج إلى الشارع مطالبين الجيش باستلام السلطة، ولكن هذا ليس هو الطريق الصحيح للإصلاح.
فعلي الرغم من أن قوي إعلان الحرية والتغيير تعتبر المسؤول الأول عن كل الإخفاقات التى حدثت بسبب حيادها عن طريق الثورة القويم، وبرغم زهد كثيرين في إصلاح يمكن أن يأتي من طرفها، لكنني لا زلت أعتقد أن بعض مكونات قوي الإعلان تعلي من شأن ما يوحد السودانيين، ويقودهم إلى استكمال مسيرة الثورة، وأنهم يستشعرون المخاطر التى تحيط بالبلد، ويقودون عملية الإصلاح داخل تنسيقية قوي الإعلان، ثم أن الذين دفعت بهم قوي الإعلان ممثلين للجانب المدني في مجلس السيادة، كانوا قدر التحدي، وتحملوا المسؤولية علي أكمل وجه، ولقد تجلي ذلك في أدائهم القومي الوطنى المسؤول في كل الملفات التى تولوها، لذلك فإن دعوة الإصلاح يجب أن توجه إلى مجلس السيادة، وليس إلى الجيش، ذلك أن الإصلاح يكون في إطار مؤسسات الحكم الدستورية الإنتقالية، وليس انقلابا عليها، ولقد ثبت أن العجز والضيق كله بسبب ضعف الجهاز التنفيذي، وبسبب غياب الرؤية، وبسبب الصراعات التي غرست بذورها الحاضنة السياسية للثورة والحكومة.
وعندما نقول ضعف الجهاز التنفيذي للدولة لا نعني بالطبع مجلس الوزراء وحده، وإنما نعني كل هياكل الدولة التنفيذية، فلقد نخر السوس في أعوادها جميعا، فاوشكت علي الانهيار، وكثير منها قد انهار بالفعل، وليس ذلك كما يزعمون من ميراث النظام السابق، فمؤسسات كثيرة ظلت متماسكة رغم ما كان قد أصابها في العهد السابق، إلا أن ما حدث لكثير منها خلال عام واحد فقط يشبه الدمار الشامل، ثم أن غياب الرؤية في كثير من القضايا، لا سيما المسألة الاقتصادية كان أثره مدمرا، ولهذا وذاك، وكثير غيره دعا كثيرون الجيش لاستلام السلطة.
ما غاب عن هؤلاء جميعا أن الجيش السوداني لم يسجل في تاريخه قط الإنقلاب علي الحكم، سواء كان هذا الحكم ديمقراطيا أو غير ديمقراطي، والثابت أن كل الثورات الشعبية في السودان نصرها الجيش، وانتصرت به، فلذلك ليس صحيحا أن يطلب البعض من الجيش استلام السلطة، فالجيش لن ينقلب علي ثورة هو طرفها الأصيل، والصحيح أن نطلب من رأس الدولة الذي يمثله مجلس السيادة بمكونيه العسكري والمدني إصلاح وتصحيح مسار الثورة، ولا تزال هناك فرصة أمام رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك للانتصار للثورة والشعب، بوضع يده في يد رمز الثورة والدولة القومي، مجلس السيادة بشقيه العسكري والمدني، واتخاذ القرارات الحاسمة التي تصحح مسار الثورة، وتصلح طريقها، وبالله التوفيق والسداد.

اضغط هنا للإنضمام لقروب الواتسب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي
إغلاق
إغلاق