أخر الأخبار

أميمة عبدالله تكتب في «سلسلة خطابات أغسطس»: عدتُ يا يوسف، فمتى تعود أنت؟

عزيزي يوسف، ها أنا قد عدتُ إلى بلادي بعد ثلاثين عامًا مضت..ثلاثون عاماً كأنها عام، سريعاً انقضت، كيف تسرّب العمر هكذا؟ أيُّ غفلةٍ تلك التي كنتُ فيها، فغيّبتني عن بلادي حتى نال العمر مني؟

متى تعود أنت يا يوسف؟ أم تُراك زهدت في الخرطوم؟ أم إنك قد كبرت جداً على الحنين، وضعف قلبك ورقّ؟ أظنك ما عدت تحتمل العودة إلى بلادك، هل صارت الخرطوم أبعد العواصم إليك، أم إنك قد قطعت وعداً على نفسك ألّا تعود؟

ممَّ تخاف يا يوسف؟ من فواتير الأحزان المؤجلة، أم من ذكرى الراحلين، أم أن قلبك في رفقة الغرباء صار غريباً هو الآخر؟ أم إنك تخشى ألّا تعرف الناس إذا عدت؟ أم إن الوطن فيك لم يكن راسخاً؟ أم إنك استعضت عن البشر بالكتب والوحدة؟..أم إن السفر صار لك وطناً، فرضيت به وقبلت بجواز الوطن البديل؟

أما تعبت من أرض الله الواسعة، ومن الأسفار الكثيرة، والصعود والهبوط في محطات القطار، والتحليق والنزول في المطارات؟ أما تعبت يا يوسف من صحبة الغرباء، ومصافحة العابرين، وغرف الفنادق وفرشها الباذخ، وإضاءتها الملونة، وتعدد الوجوه، وأكل الطائرات، والابتسامات المرسومة بدقة على وجوه المضيفات ممشوقات القوام؟

أما تعبت من كثرة الأسفار والتنقل بين العواصم والنساء المعلبات، والطرقات النظيفة بالمطر وبهرجة الأضواء؟ أما ضاق قلبك؟ أم إن الحنين تجمّد في ليالي الثلج الشتوية؟

هل ألفت كل تلك البلاد التي زرتها؟ هل انشرح فيها قلبك وأحببتها؟

أين الخرطوم من بين العواصم؟

أليست خمسون عاماً كافية؟ أم إنك تود إنفاق العمر كله متجولًا كحصان السيرك الهرم؟

حتى الأحصنة الهرمة تخاف الموت أثناء الطريق.

لماذا اخترت أن تعيش لنفسك فقط، تحمل كُلَّك داخلك، وتغلق النوافذ دون تسرّب الحب القديم؟

لماذا بخلت على الخرطوم بك؟

ألم تكن تحب رفقتي وحكاياتي، ودرب المدرسة، وكتابة الإنشاء، وحل مسائل الرياضيات العصية؟ لماذا في رفقتي كنت تضحك حتى كأنني كنت أرى قلبك المضيء يطل من نافذة عينيك؟

أنا عدت يا يوسف، مثقلٌ كاهلي بسنين الهجرة الطويلة، ثقيلةٌ خطواتي بالتهاب المفاصل وعظيم الأحداث، وجبال الأخبار سوداء الحجارة.

لو أنني عند عودتي وجدتك في الخرطوم، لكان ما رأيته محتملًا، لطلّتك عذوبةٌ ما زلت أذكرها، وتلك البحة في صوتك حتمًا لكانت تُطمئنني.

كأنني في شك: أهذه هي الخرطوم؟ لا الغمام غمامُ مطر، ولا السماء هي السماء، ولا الوجه وجهها الوضّاح، ولا ثغرها الباسم هو،ولا الناس أهلها، بيوتها عليها غبشة، وعموم الناس مشغولون، على بؤسهم، بالحياة، وكأن الحياة على أعتاب البعث.

أحياؤها مظلمة، والعيش فيها قابض، والفقر عام، واللصوص المهندمون فقط هم الأغنياء.

لا أدري لماذا شعرت يا يوسف بالكآبة والحزن، رغم سعادة الرجوع لبلدي. انكفأ قلبي داخلي، وكأنه مترنحٌ يبحث عن متكأ.

كانت صالة الوصول في المطار مزدحمة. خارج المطار صادفت الكثير من الناس في الشوارع، وفي الميناء البري، وأنا أبحث عن تذكرة أسافر بها إلى المهلة، قريتنا يا يوسف، أحاول قبل أن يهبط الليل. لكنني ما عرفت أحداً، وما صادفني وجهٌ مألوف.

الوجوه كلها غريبة الملامح والكلام، كأن الطائرة هبطت خطأً في مكانٍ آخر.

الناس بائسة، بائنٌ عليهم الفقر والحاجة، وعيونهم تتحرك في كل الاتجاهات كأنهم يبحثون عن مفقود.

كأنهم ليسوا الناس الذين غادرتهم قبل ثلاثين عاماً، وكأن الخرطوم ليست هي.

وكأن حبها القديم خبا، فمن أعاتب: قلبي، أم الخرطوم، أم الحكام، أم الأفندية مثلك يا يوسف؟

من أضاع الخرطوم؟

أين النيل العذب الجاري؟ ما له أصبح باهتاً هكذا؟ ما لها الشوارع صامتة، والأرض جرداء تنبعث منها رائحة العطش والجفاف؟

أبعد كل تلك السنين لم يزدد الناس إلا فقراً؟

أبعد هذه السنين، أيُعقل أن أبحث عن الدفء في الغائب البعيد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى