أخر الأخبار

لؤي ابراهيم يكتب: تفكيك الأسئلة .. وظيفة المثقفين

نحن لا نعيش وفق الإجابات التي نختارها فقط ، بل وفق الأسئلة التي اعتدنا طرحها .
قد تسأل نفسك : لماذا لم أنجح ؟ لماذا لا تتغير ظروفي ؟ لماذا يتصرف الآخرون بهذه الطريقة ؟ لماذا لا تسير الأمور كما أريد ؟
لكن ماذا لو كانت المشكلة أحياناً في السؤال نفسه ؟
هنا تظهر إحدى أهم وظائف المثقف : أن يساعدنا على رؤية الأسئلة التي تحكم تفكيرنا ، وأن يكشف الافتراضات المختبئة خلفها ، ثم يفتح لنا إمكانية النظر إلى الأشياء من زاوية مختلفة .
فحين يواجه الإنسان فشلاً في عمله مثلاً ، قد يكون السؤال المعتاد : «ما الذي فعلته خطأ؟». وهو سؤال مهم ، لكن سؤالاً آخر قد يكون أكثر فائدة : «هل كنت أعمل في الاتجاه الصحيح أصلاً؟» .
وحين يشعر الشاب أن النجاح بعيد عنه ، قد يسأل : «كيف أصبح مثل الناجحين؟» . لكن السؤال الأعمق ربما يكون : «ما معنى النجاح بالنسبة إليّ ؟ وهل أريد فعلاً الحياة التي أراها عند الآخرين؟» .
هذه المسافة الصغيرة بين السؤال والسؤال قد تغير طريقة فهمنا لحياتنا .
المثقف ، بهذا المعنى ، ليس شخصاً يعيش بعيداً عن الواقع ، ولا مهمته أن يوزع الإجابات على الناس . إنه شخص يحاول أن يمنعنا من قبول الأفكار لمجرد أنها شائعة ، وأن يدفعنا إلى فحص ما نعتبره بديهياً .
فكثير من القضايا التي نختلف حولها تبدأ من افتراضات لم نناقشها أصلاً . عندما نقول إن شاباً «فاشل» ، علينا أن نسأل : من وضع معيار النجاح ؟ وعندما نقول إن جيلاً «لا يهتم» ، علينا أن نسأل : هل المشكلة في الجيل ، أم في الطريقة التي نخاطبه بها ؟
لا يعني تفكيك السؤال رفض كل الإجابات ، بل يعني الوصول إليها بوعي أكبر .
وفي حياة القارئ ، قد تبدأ هذه الممارسة من أبسط الأشياء : قبل أن تتخذ قراراً مهماً ، اسأل نفسك : هل أبحث عن الحل ، أم أبحث فقط عن إجابة تؤكد ما أؤمن به ؟
وقبل أن تحكم على شخص، اسأل : هل أعرف قصته كاملة ؟
وقبل أن تعتبر طريقاً معيناً هو الطريق الوحيد للنجاح ، اسأل : هل اخترته أنا ، أم اخترته لأن الجميع يسيرون فيه ؟
هذه الأسئلة لا تقدم حلولاً جاهزة ، لكنها تمنح الإنسان شيئاً أكثر أهمية : قدرة أكبر على التفكير قبل الاختيار .
ولعل وظيفة المثقف في المجتمع تبدأ من هنا ؛ أن يوسّع مساحة السؤال ، وأن يذكّرنا بأن بعض ما نعتبره حقائق قد يكون مجرد أفكار اعتدنا عليها .
فالمجتمع لا يتقدم فقط عندما يجد إجابات جديدة ، بل عندما يجرؤ على طرح أسئلة جديدة .
وربما تكون أهم خدمة يقدمها المثقف للقارئ ليست أن يقول له : «هذا هو الطريق» ، بل أن يجعله قادراً على أن يسأل بنفسه :
هل هذا فعلاً هو الطريق الذي أريد أن أسلكه ؟

أ. لؤي ابراهيم عثمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى