أخر الأخبار

السودان بين استرداد الدولة وتحرير السياسة من الارتهان

: حين تصبح السلطة غاية ويُستدعى الخارج لتقرير مصير الوطن

بقلم: الدكتور أحمد عبدالله إسماعيل

ليست الحروب وحدها ما يهدم الدول؛ فالدول قد تنهار أيضًا عندما تفقد السياسة معناها، وحين تتحول الدولة من فضاء جامع لمواطنيها إلى ساحة تتصارع فيها النخب على السلطة والنفوذ والموارد، وحين يصبح الوصول إلى الحكم غاية قائمة بذاتها، بينما يتراجع الإنسان إلى هامش المشهد، ويُختزل الوطن في ترتيبات بين القوى المتنافسة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يعود السؤال متعلقًا بمن يربح معركة السلطة، وإنما بمن يستعيد للدولة معناها، وللسيادة مضمونها، وللمواطن مكانته بوصفه صاحب الحق الأصيل في تقرير مستقبل بلاده.

لقد عانى السودان، منذ الاستقلال، من أزمة سياسية عميقة لم تكن مجرد تعاقب حكومات أو اختلاف في البرامج، بل ارتبطت ببنية سياسية ظل فيها احتكار القرار وتداول النفوذ بين نخب محدودة أكثر حضورًا من بناء مؤسسات وطنية مستقرة وقادرة على تحقيق العدالة والتنمية وحماية الحقوق. تغيرت الأنظمة، وتبدلت التحالفات، وظهرت قوى جديدة، لكن المواطن السوداني ظل في كثير من المراحل يدفع الثمن الأكبر من عدم الاستقرار، بينما كانت السياسة تعيد إنتاج نفسها تحت عناوين مختلفة. ولذلك فإن المأساة السودانية الراهنة لا ينبغي أن تُقرأ فقط بوصفها نتيجة لحرب مدمرة، وإنما بوصفها أيضًا حصيلة تراكم طويل من إخفاقات بناء الدولة ومن عجز النخب السياسية عن وضع المصلحة العامة فوق منطق التنافس على السلطة.

وفي قلب هذه الأزمة تبرز قضية شديدة الحساسية تتعلق بعلاقة القوى السياسية السودانية بالعالم الخارجي. ومن الضروري هنا أن نكون واضحين ومنصفين في آن واحد. إن التواصل مع الحكومات الأجنبية، واللقاءات الدبلوماسية، وطلب الوساطة، والاستعانة بالمؤسسات الدولية، ورفع قضايا حقوق الإنسان، وحشد الدعم الإنساني والسياسي، كلها أنشطة يمكن أن تكون مشروعة في الدولة الحديثة، ولا يجوز تحويل مجرد الاتصال بالخارج إلى تهمة بالخيانة. فالسودان جزء من المجتمع الدولي، وقواه السياسية والمدنية من حقها أن تخاطب العالم وأن تدافع عن مصالح شعبها وحقوقه.

لكن المشروعية تتوقف عندما يتحول التواصل إلى ارتهان، وعندما يتحول الدعم إلى أداة للسيطرة، وعندما يصبح الخارج شريكًا في تحديد من يحكم السودان، وعندما تتحول الدولة الأجنبية من طرف دبلوماسي إلى صاحب مصلحة مباشرة في إعادة تشكيل السلطة الداخلية، أو عندما تُقدم لها معلومات سيادية أو عسكرية أو أمنية سرية، أو تُعقد معها تفاهمات تضع مستقبل الدولة وثرواتها ومؤسساتها موضع المقايضة مقابل تمكين جماعة سياسية من الوصول إلى الحكم أو الاحتفاظ به. هنا تنتقل القضية من نطاق العلاقات السياسية الطبيعية إلى نطاق يمس جوهر السيادة الوطنية، وقد يرتب، بحسب طبيعة الوقائع والأدلة والقانون الواجب التطبيق، مسؤوليات سياسية ومدنية وجنائية.

إن الفارق بين التعامل مع الخارج والارتهان له ليس في وجود العلاقة، وإنما في طبيعتها وحدودها والغاية منها. فالقوة السياسية الوطنية تستطيع أن تتعاون مع العالم، لكنها لا تمنح أحدًا حق تقرير مستقبل شعبها. تستطيع أن تطلب الدعم، لكنها لا تبيع استقلال قرارها. تستطيع أن تطلب الوساطة، لكنها لا تستبدل الإرادة الشعبية بإرادة أجنبية. وتستطيع أن تنتقد الحكومة وأن تطالب بتغييرها، لكن الطريق الطبيعي إلى الشرعية السياسية ينبغي أن يظل قائمًا على الإرادة الوطنية والمؤسسات الدستورية والوسائل السلمية والديمقراطية، لا على استدعاء قوة أجنبية لتصنع واقعًا سياسيًا جديدًا ثم تمنح السلطة لطرف بعينه.

وهذه ليست مسألة سودانية فحسب، وإنما مبدأ راسخ في النظام الدولي. فميثاق الأمم المتحدة يقوم على احترام سيادة الدول واستقلالها السياسي، ويحظر استخدام القوة ضد الاستقلال السياسي للدول أو التدخل في شؤونها على نحو يتعارض مع مقاصد الميثاق. كما يربط الإطار الأفريقي للحكم الرشيد بين الشرعية السياسية، وسيادة القانون، والمشاركة الشعبية، والتداول الدستوري على السلطة، ويرفض الوصول إلى الحكم أو المحافظة عليه بالوسائل غير الدستورية. ولذلك فإن أي تعاون سياسي خارجي ينبغي أن يُقاس بمدى احترامه لإرادة الشعب واستقلال الدولة، لا بمجرد رفعه لشعارات الديمقراطية أو التغيير.

والأخطر من ذلك أن تتحول أسرار الدولة إلى أوراق تفاوضية في سوق السياسة. فهناك فارق لا يمكن تجاهله بين تقديم معلومات موثقة عن انتهاكات حقوق الإنسان إلى الأمم المتحدة أو المنظمات الحقوقية، وهو أمر يمكن أن يدخل في نطاق الدفاع المشروع عن الضحايا، وبين تسليم معلومات عسكرية أو أمنية أو استخباراتية حساسة إلى دولة أجنبية يمكن أن تستخدمها للإضرار بالسودان أو بمواطنيه. وإذا ثبتت مثل هذه الأفعال وتوافرت عناصر الجرائم المنصوص عليها في القانون الوطني، فإنها لا يمكن أن تختبئ خلف عنوان «النشاط السياسي» أو «المعارضة».

لكن العدالة تقتضي أيضًا ألا تتحول تهمة الخيانة إلى سلاح سياسي تستخدمه السلطات ضد معارضيها، أو إلى وسيلة لتجريم العمل المدني والحقوقي، أو إلى غطاء لمنع النقد والمساءلة. إن الدولة القوية ليست التي تخاف من المعارضة، وإنما التي تثق في مؤسساتها وقانونها. والوطنية لا تعني الصمت أمام الحاكم، كما أن المعارضة لا تعني بالضرورة الولاء للخارج. الوطنية موقف من الدولة والمجتمع والمصلحة العامة، لا شعارًا يُمنح لفريق ويُسحب من فريق.

إن المشكلة الأكثر عمقًا في السودان هي أن السلطة ظلت، في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد، مركزًا للصراع أكثر مما كانت أداة لبناء الدولة. وقد أدى ذلك إلى نشوء ثقافة سياسية تعتبر الوصول إلى الحكم انتصارًا نهائيًا، بينما يصبح المواطن مجرد قاعدة انتخابية أو وقودًا للصراع أو ضحيةً له. وهذه الثقافة هي التي يجب أن تنتهي إذا كان السودانيون يريدون بالفعل بناء دولة جديدة. فلا معنى لتغيير الحكومة إذا بقيت قواعد الحكم كما هي، ولا معنى للثورة إذا انتهت إلى إعادة إنتاج الاستبداد، ولا معنى للانتقال إذا تحول إلى اتفاق جديد بين النخب على اقتسام المناصب والموارد والمؤسسات.

السودان لا يحتاج إلى استبدال نخبة بنخبة، ولا إلى إعادة تدوير القوى التي ظلت تتناوب على المشهد السياسي منذ الاستقلال، ولا إلى مشروع جديد يقوم على إقصاء طرف وتمكين طرف آخر. ما يحتاجه هو إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمواطن على قاعدة المواطنة المتساوية، والحقوق، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، والتداول السلمي للسلطة. يحتاج السودان إلى دولة تكون فيها المؤسسة أقوى من الشخص، والقانون أقوى من الحزب، والمصلحة الوطنية أقوى من التحالفات الآنية، والشعب أقوى من جميع النخب.

ومن هنا فإن الحديث عن أي تفاهمات سياسية أو أمنية أو مالية سرية بين قوى سودانية وجهات أجنبية يجب ألا يتحول إلى حرب إعلامية أو تصفية حسابات. إذا كانت هناك وثائق وأدلة، فيجب أن تُحال إلى آليات تحقيق مستقلة ونزيهة. وإذا ثبت وجود أفعال تشكل جرائم، فيجب أن يخضع مرتكبوها للمساءلة أمام القضاء المختص، مع ضمان المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. لا حصانة لمنصب سياسي، ولا حصانة لتاريخ حزبي، ولا حصانة لقوة عسكرية أو مدنية، وفي الوقت نفسه لا إدانة بلا دليل ولا عقوبة بلا محاكمة عادلة.

إن الشعب السوداني يملك حقًا أصيلًا في معرفة ما جرى باسمه. ومن حقه أن يعرف طبيعة العلاقات الخارجية التي أقامتها القوى السياسية، ومصادر التمويل، وأوجه الدعم، والالتزامات التي ترتبت عليه، وأي ترتيبات تتصل بمستقبل السلطة أو الموارد أو المؤسسات السيادية. الشفافية هنا ليست ترفًا سياسيًا، وإنما شرط من شروط استعادة الثقة في الدولة وفي العملية السياسية. ولا يمكن أن يُطلب من المواطن أن يدفع ثمن حرب أو أزمة نشأت من قرارات اتخذت في غرف مغلقة ثم يُحرم من معرفة الحقيقة.

لقد حان الوقت لإعادة تعريف الوطنية السودانية على أساس جديد. الوطنية ليست في رفع العلم فقط، ولا في ترديد الشعارات، ولا في ادعاء امتلاك الحقيقة. الوطنية هي أن تضع السودان فوق الحزب، والمواطن فوق السلطة، والدستور فوق الحاكم، والمصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية، وأن ترفض أن يكون قرار بلدك مرهونًا بإرادة أي قوة أجنبية. والوطنية كذلك هي أن تدافع عن حقوق شعبك حتى عندما يكون ذلك في مواجهة السلطة، وأن ترفض في الوقت نفسه استخدام معاناة الشعب بوصفها وسيلة للحصول على مكاسب سياسية أو خارجية.

إن السودان لن يخرج من أزمته بإعادة إنتاج العقلية التي أنتجتها. ولن يصنع السلام بمجرد توقيع اتفاق بين القوى المتنافسة على السلطة، إذا لم يكن المواطن طرفًا حقيقيًا في صناعة المستقبل. فالسلام الذي لا يعيد للناس حقوقهم، ولا يعيد بناء مؤسسات الدولة، ولا يفتح الطريق أمام العدالة والتنمية، ليس سوى هدنة مؤجلة. والديمقراطية التي تبدأ بصندوق الاقتراع وتنتهي باحتكار السلطة ليست ديمقراطية حقيقية، وإنما إعادة إنتاج للأزمة بوسائل جديدة.

إن المعركة التي يخوضها السودان اليوم يجب أن تكون أعمق من معركة السيطرة على العاصمة أو المؤسسات. إنها معركة استرداد الدولة من كل من حاول تحويلها إلى ملكية خاصة، واسترداد السياسة من كل من جعلها وسيلة للثراء والنفوذ، واسترداد القرار الوطني من كل ارتهان خارجي، واسترداد الإنسان السوداني من موقع الضحية إلى موقع المواطن صاحب الحق والقرار.

السودان ليس غنيمة سياسية، وليس ميدانًا لتصفية الحسابات الدولية، وليس جسرًا يعبر عليه الطامحون إلى السلطة. السودان وطن كامل السيادة، وشعبه وحده صاحب الحق الأصيل في تقرير مستقبله السياسي. ومن يريد أن يحكم السودان فعليه أن يستمد شرعيته من السودانيين، ومن يريد تغيير النظام فعليه أن يقدم مشروعًا وطنيًا قادرًا على إقناع الشعب، ومن يريد التعاون مع المجتمع الدولي فعليه أن يفعل ذلك بشفافية تحفظ استقلال القرار الوطني وكرامة الدولة.

لقد دفع السودانيون ثمنًا لا يمكن اختزاله في الأرقام. فقدوا أبناءهم، وبيوتهم، ومدنهم، ومواردهم، وأحلامهم، وأمنهم، ومستقبل أجيال كاملة. وليس من العدل بعد كل هذا أن يستمر الصراع على السودان بدلًا من الصراع من أجل السودان.

إن اللحظة التاريخية تفرض على الجميع أن يختاروا بين طريقين: طريق إعادة إنتاج الماضي، بما فيه من احتكار للسلطة وارتهان وتحالفات مغلقة، وطريق بناء دولة جديدة تقوم على الحرية والعدالة والمواطنة وسيادة القانون واستقلال القرار الوطني. وإذا اختار السودانيون الطريق الثاني، فلن يكون التغيير مجرد انتقال من حكومة إلى أخرى، وإنما انتقال من ثقافة السلطة إلى ثقافة الدولة، ومن حكم النخب إلى دولة المواطن، ومن السياسة التي تستخدم الوطن إلى سياسة تخدم الوطن.

السودان لا يحتاج إلى من يتقن الوصول إلى السلطة؛ السودان يحتاج إلى من يتقن بناء الدولة. ولا يحتاج إلى نخبة جديدة تتقاسم الوطن، وإنما إلى جيل يؤمن بأن الوطن ليس ملكًا لمن يحكمه، وأن السلطة أمانة مؤقتة، وأن السيادة ليست ورقة تفاوض، وأن كرامة الشعب ليست ثمنًا لأي صفقة سياسية.

وهنا تبدأ مسؤولية الجيل الجديد: أن يستعيد الدولة من منطق الغنيمة، والسياسة من منطق الصفقة، والقرار الوطني من الارتهان، وأن يجعل الإنسان السوداني مرة أخرى نقطة البداية ونقطة النهاية في كل مشروع سياسي.

فالسودان لا ينبغي أن يكون وطنًا تتصارع عليه النخب، بل دولةً يتساوى فيها الجميع، ويحكمها القانون، ويصنع مستقبلها شعبها، وتصان سيادتها بإرادة أبنائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى