أخر الأخبار

الاقتصاد السوداني بين ارتفاع الدولار وأزمة الكاش وتعطل «بنكك»

تقرير :
ابراهيم قسم الله أبو كريق*

لم يعد الوضع الاقتصادي في السودان مجرد ارتفاع في الأسعار أو تراجع مؤقت في قيمة الجنيه، وإنما أصبح أزمة متكاملة تمس قيمة العملة، والسيولة النقدية، والثقة في النظام المصرفي، وقدرة المواطن على الحصول على أمواله وإجراء معاملاته اليومية.
ارتفاع الدولار في السوق الموازي مع وجود تفاوت كبير بين السعر الرسمي والسوق الموازي، يعكس حجم الاختلال في سوق النقد الأجنبي ويزيد بصورة مباشرة تكلفة السلع والخدمات، خصوصاً السلع المستوردة.
وفي المقابل، يعيش المواطن أزمة أخرى لا تقل خطورة: شح الكاش. فحتى المواطن الذي يمتلك رصيداً في حسابه المصرفي قد يجد نفسه غير قادر على تحويل هذا الرصيد إلى نقد أو استخدامه بسهولة في الأسواق، الأمر الذي جعل أزمة السيولة أزمة معيشية وليست مصرفية فقط.

أما تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم، فقد أصبح جزءاً أساسياً من الحياة الاقتصادية اليومية، ولذلك فإن أي بطء أو تعطل أو صعوبة في الدخول والتحويل والسداد لا يُنظر إليه باعتباره مشكلة تقنية عابرة، وإنما ينعكس مباشرة على المواطن والتاجر والموظف وأصحاب الأعمال.

ماذا يقول المواطن؟

المواطن اليوم لا يريد بيانات اقتصادية ولا أرقاماً نظرية؛ يريد إجابة بسيطة:

أين أموالي؟ ولماذا لا أستطيع استخدامها؟

يريد أن يستلم راتبه، ويسحب نقوده، ويشتري احتياجات أسرته، ويدفع إيجار منزله وعلاج أطفاله دون أن يدخل في دوامة البحث عن كاش أو وسيط أو تاجر يقبل التحويل الإلكتروني.

ومع كل ارتفاع جديد للدولار، تتغير أسعار السلع، ويصبح التاجر نفسه عاجزاً عن معرفة تكلفة إعادة شراء بضاعته، فينعكس ذلك على المستهلك مباشرة. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن بعض التجار أصبحوا يعيدون تسعير بضائعهم بصورة متكررة بسبب تقلبات سعر الصرف.

أين مسؤولية الحكومة؟

هنا يأتي السؤال الأصعب:

هل أصبحت الحكومة تكتفي بإدارة الأزمة بدلاً من معالجة جذورها؟

المسؤولية لا تقع على وزير المالية وحده، ولا على بنك الخرطوم وحده، لأن الأزمة أكبر من مؤسسة واحدة. لكنها بالتأكيد تضع وزارة المالية، وبنك السودان المركزي، ومجلس الوزراء أمام مسؤولية تقديم حلول واضحة ومعلنة للرأي العام.

فالمواطن من حقه أن يعرف:

– ما خطة الحكومة لوقف تدهور الجنيه؟
– ما حجم السيولة المتاحة فعلياً في الجهاز المصرفي؟
– لماذا توجد صعوبة في الحصول على الكاش رغم وجود أرصدة مصرفية؟
– ما الإجراءات العاجلة لمعالجة مشاكل التطبيقات المصرفية؟
– كيف ستتم السيطرة على الفجوة بين السعر الرسمي والموازي؟
– وما هي الخطة لحماية محدودي الدخل من موجات الغلاء المتتالية؟

مجلس الوزراء سبق أن أجاز تقرير وزارة المالية حول الوضع الاقتصادي وأشاد بجهود الوزارة، لكن الإشادة بالأداء الحكومي ينبغي أن تقابلها مؤشرات ملموسة يشعر بها المواطن في السوق وفي حسابه البنكي وفي قدرته على شراء احتياجاته الأساسية.

الخلاصة

السودان لا يحتاج في هذه المرحلة إلى حلول تجميلية أو بيانات تطمئن المواطن فقط، وإنما يحتاج إلى خطة اقتصادية طارئة وشفافة تعالج ثلاث قضايا مترابطة:

استقرار سعر الصرف + توفير السيولة النقدية + استقرار النظام المصرفي والدفع الإلكتروني.

فقدان المواطن الثقة في العملة أو المصرف أو وسائل الدفع أخطر من ارتفاع سعر الدولار نفسه.

وإذا استمر ارتفاع الدولار مع شح الكاش واضطراب الخدمات المصرفية، فإن العبء الأكبر لن يقع على أصحاب رؤوس الأموال، وإنما على المواطن البسيط الذي يدفع ثمن الأزمة مرتين: مرة في انخفاض قيمة ماله، ومرة في ارتفاع تكلفة معيشته.

المطلوب الآن ليس البحث عن شماعة، وإنما محاسبة مؤسسية هادئة، وشفافية كاملة، وخطة واضحة يعرف المواطن من خلالها: إلى أين يتجه الاقتصاد السوداني؟ ومن المسؤول عن إنقاذه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى