
البرهان يوافق على توفير مناخ عام للحريات.. تهيئة
حق المتحاور في قول ما يريد كيفما يريد.. حصانة
السودان يحتاج لحوار ينهي الحرب.. عدالة تحفظ الحقوق
تقرير _ محمد جمال قندول
تطوّرات جديدة في إطار الحوار “السوداني–السوداني” الذي تم تدشينه بالعاصمة الخرطوم يوم الأحد الماضي.
وعقد وزير العدل مولانا د. عبد الله درف، أمس الثلاثاء، مؤتمراً صحفياً عن تهيئة بيئة الحوار من الناحية القانونية، وذلك بمباني وزارته.
وأعلن درف عن قرارات رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، كما تحدث عن تقنين الوضع قانونياً للمتحاورين.
ضمانات
قال وزير العدل في مؤتمر صحفي عقده بالخرطوم، أمس، إن رئيس مجلس السيادة وافق على شطب البلاغات بحق المشاركين في الحوار، إلى جانب توفير ضمانات مكتوبة لهم، بما يضمن مشاركتهم في العملية السياسية دون التعرّض لإجراءات قانونية بسبب مواقفهم أو آرائهم المتعلّقة بالحوار.
وأضاف وزير العدل أن كل من يدخل البلاد بغرض المشاركة في الحوار سيكون مشمولًا بالحصانة والضمانات المقررة للمشاركين.
وأوضح درف أن دور الدولة سيقتصر على تهيئة الظروف المناسبة للحوار، مشيرًا إلى موافقة البرهان على توفير مناخ عام للحريات يسمح للمشاركين بالتعبير عن آرائهم بحرية.
وأكد وزير العدل د. عبد الله درف أن السلطات لن تتخذ أي إجراءات جنائية بحق أي مواطن سوداني بسبب إبداء رأيه بشأن الحوار السوداني–السوداني، مشددًا على التزام الدولة بتهيئة المناخ الملائم لانطلاق العملية الحوارية.
ويرى الخبير القانوني والمحامي أحمد موسى عمر أن القرار ٣٦٣ المستجيب لمبادرة تهيئة المناخ لانطلاق الحوار السوداني تأكيد لجدية الحكومة في توفير ما يليها من ضمانات قانونية للمتحاورين.
وتزداد أهمية المسألة، حسب عمر، في أن يأتي قرار مجلس السيادة عبر محامي الدولة “وزارة العدل”، والتي ظلت دومًا سباقة في إضفاء الشكل القانوني لأي تحولات سياسية ووطنية، لافتًا أن هذا القرار يتطلب إجراءات قانونية وأوامر وتوجيهات وربما أوامر للجهات ذات الصلة لإنفاذها، وتقع مسؤوليات جسام على وزارة العدل لإحالة الأمر لخطة عمل، تقريرًا ومتابعة ومراقبة، عبر لجان قانونية وعبر إدارات الوزارة، تحت متابعة لصيقة من السيد الوزير مولانا د. عبد الله درف، والسيد مولانا علي الخضر، داعيًا كل القانونيين الحادبين على إنجاح الحوار إلى الانتظام في مجموعات ولجان لدعم هذه القرارات وإنزالها مواضع التنفيذ.
وأشار الخبير القانوني أحمد موسى إلى أن القرار يشمل ثلاث قرارات أو بنود أهمها: شطب أي إجراء جنائي ضد المتحاورين، مؤكدًا أن الشطب أعلى درجات الضمانات.
وفيما يلي حق المتحاور في قول ما يريد كيفما يريد، وفرّ له القرار حصانة سيادية بعدم المساءلة، وأغلق الأمر على أي تأويلات بتحديد القول والفعل المباشر وغير المباشر، إحكامًا للحصانة.
وتأتي ثالث الحصانات، وفق المحامي عمر، بتأمين دخول وبقاء وتحرك وخروج القوى المتحاورة بلا أي مساءلات قانونية، بوقف أي إجراءات في مواجهتهم ومنع أي إجراءات، فيما تنتقل الكرة لملعب السيد النائب العام لإصدار منشورات تنفيذية للقرار السيادي، والسيد رئيس القضاء لاتخاذ القرارات فيما يتعلق بالأحكام الغيابية وغيرها تيسيراً للحوار.
جدية
ويرى رئيس تحرير المقرن محجوب أبو القاسم أن تأكيد وزير العدل د. عبد الله درف بأن الحكومة لن تتخذ أي إجراءات جنائية بحق أي مواطن سوداني يمثل ذلك جدية الحكومة والسيد رئيس مجلس السيادة على إنجاح هذا الحوار، وهي بمثابة ضمانات للقوى السياسية التي تم اتخاذ إجراءات جنائية ضدها.
ويمثل الحوار السوداني–السوداني أحد أهم المداخل الممكنة للخروج من دائرة الحرب والأزمة السياسية وفتح الطريق أمام التوافق الوطني وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. فنجاح أي حوار لا يبدأ فقط بجلوس الأطراف إلى الطاولة، وإنما يبدأ أولًا بالإيمان بأن الحوار هو الطريق الأقل كلفة للوطن، وأن استمرار الحرب لن يقود إلى منتصر حقيقي بقدر ما يترك وطنًا مثقلًا بالدمار والانقسامات والجراح.
ومن هذا المنطلق، يشير محجوب إلى أن رفض الحوار من حيث المبدأ يثير تساؤلات مشروعة حول البديل الذي تطرحه القوى الرافضة؟ فإذا كان الهدف هو استقرار السودان وإنهاء الحرب، فإن الحوار ينبغي أن يكون خيارًا أساسيًا، مع ضرورة معالجة أسباب الأزمة ومحاسبة من ارتكبوا الجرائم وفق القانون.
واستدرك أبو القاسم، لكن هناك قضية جوهرية يجب ألا تغيب عن أي مشروع للحوار أو تسوية سياسية، وهي “الحق الخاص”. يضيف محجوب، حتى إذا اتفقت القوى السياسية على تسوية تنهي الحرب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إسقاط حقوق الأفراد الذين فقدوا أبناءهم أو ممتلكاتهم أو تعرضوا للقتل أو الإصابة أو الانتهاكات، فالحق الخاص ليس ملكًا للدولة حتى تتنازل عنه في إطار اتفاق سياسي، وإنما هو حق أصيل لأصحابه تحكمه القوانين والعدالة والإجراءات القضائية.
ويبرز هنا السؤال الأهم، وفق محجوب: كيف يمكن تحقيق السلام السياسي دون أن يتحول إلى تسوية على حساب حقوق الضحايا؟ فالإجابة تقتضي أن يكون الحوار واضحًا منذ البداية في التفريق بين التسوية السياسية وملف العدالة، فالحوار يمكن أن يوقف الحرب ويضع ترتيبات سياسية وأمنية ويمهد للمصالحة الوطنية، لكنه لا ينبغي أن يمنح حصانة تلقائية من الحقوق الخاصة أو يغلق الباب أمام الضحايا للمطالبة بحقوقهم عبر المؤسسات العدلية.
ويرى محجوب أن نجاح الحوار الحقيقي لا يقاس فقط بقدرة الأطراف على توقيع اتفاق، وإنما بقدرته على إنتاج سلام مستدام يشعر فيه المواطن أن الدولة تحمي حقه، وأن إنهاء الحرب لا يعني دفن مظالمه.
لذلك، فإن المشاركة في الحوار لا ينبغي أن تفهم باعتبارها تنازلًا عن المواقف أو الحقوق، كما أن رفض الحوار لا يمكن أن يكون بديلًا عن تقديم مشروع واضح لإنقاذ الوطن.
وختم محدّثي، السودان يحتاج إلى حوار ينهي الحرب، وعدالة تحفظ الحقوق، ومصالحة تعالج الجراح، لا إلى تسوية ترحّل الأزمة من ميدان الحرب إلى المجتمع.



