أخر الأخبار

دكتورة شذي الشريف تكتب : في ذكرى ميلاد أبي.. أراجع عامًا من عمري وأرفع يدي بالدعاء

٢١ أغسطس.. يوم المراجعة
في ذكرى ميلاد أبي.. أراجع عامًا من عمري وأرفع يدي بالدعاء
د. شذى الشريف
هناك تواريخ لا تمرّ بنا مثل بقية الأيام…
تبقى معلّقة في الذاكرة، تسكن القلب، وتفتح أبوابًا من الحنين كلما أقبلت.
و٢١ أغسطس واحد من تلك الأيام في حياتي.
إنه يوم ميلاد أبي، الأستاذ عثمان عمر الشريف، رحمه الله رحمة واسعة، وغفر له، وأكرم نزله، وجعل قبره روضة من رياض الجنة.
كنا نحتفل بهذا اليوم كل عام.
لم يكن الاحتفال بالنسبة لنا مجرد مناسبة لميلاد أبي، بل كان احتفالًا بنعمة عظيمة أهداني الله إياها… نعمة الأب الذي كان أبًا، وصاحبًا، وصديقًا، وأخًا، وأستاذًا، ومرشدًا.
كانت روحي معلّقة به.
وكان ٢١ أغسطس بالنسبة لي يومًا للفرح، أما هو فكان له اسم آخر لهذا اليوم.
كان يقول لي:
«ده يوم المراجعات»!
ويا لها من مراجعات!
كنا نجلس ونراجع عامًا كاملًا…
ماذا فعلنا؟
ماذا أنجزنا؟
ماذا لم يتم؟
أين أخطأنا؟
وأين أصبنا؟
وماذا تعلمنا؟
ثم نضع حصيلة العام، ونستعد لعام جديد.
لم تكن تلك الجلسات مجرد حديث أب مع ابنته، بل كانت مدرسة كاملة.
في كل عام كنت أخرج منها بخبرة جديدة، وفكرة جديدة، وتجربة أعمق.
كنت أستمع إليه وهو يستعرض معي قصة عام مضى، بما تم فيه وما لم يتم، وما كان يجب أن يتم، ثم يفتح معي أبواب العام التالى.
وهكذا أصبح ٢١ أغسطس موعدًا لا أنتظره وحدي.
كان الأحباب يجتمعون معنا، أولئك الذين عرفوا قدر الشريف، وأحبوه، وعرفوا مكانته وأثره.
نستمع إليه، ونضيف إلى حصيلة العام حصيلة جديدة من التجارب والذكريات.
ثم تأتي أجمل لحظات ذلك اليوم…
مدائح المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فتتعالى الأصوات بالصلاة والسلام على الحبيب، وتمتلئ القلوب سكينة، ونختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرفع الشريف يديه بالدعاء للحاضرين.
كان ٢١ أغسطس يومًا يجتمع فيه الفرح والمراجعة والمحبة والدعاء.
لكن ٢١ أغسطس هذا العام مختلف.
لأنني لن أسمع صوتك يا أبي.
لن تجلس أمامي لتسألني:
«ماذا فعلتِ في عامك؟»
لن أسمع ملاحظاتك، ولا نصائحك، ولا ذلك الصوت الذي كان يجعل للمراجعة معنى آخر.
لكنني سأظل أوفياء للدرس الأخير الذي تركته في قلبي.
سأراجع نفسي.
سأراجع الطريق.
سأراجع ما أنجزت، وما قصّرت فيه، وما كان ينبغي أن أفعله ولم أفعله.
وسأحاول أن أجيب عن الأسئلة التي كنت تطرحها عليّ كل عام.
هل كنت عند حسن ظنك؟
هل حافظت على القيم التي زرعتها فينا؟
هل بقيت وفية لما علمتني إياه؟
هل تركت في الناس أثرًا طيبًا؟
وهل ما زلت أمشي في الطريق الذي كنت تريدني أن أمشي فيه؟
يا أبي…
كنت أظن أن ٢١ أغسطس يوم نحتفل فيه بك.
واليوم فهمت أن أعظم احتفال بك ليس الكلمات ولا المناسبات…
بل أن نعيش ما علمتنا إياه.
أن نكون أوفياء للقيم التي تركتها.
أن نواصل الخير الذي زرعته.
أن نحفظ سيرتك بالأفعال لا بالكلمات.
وأن يظل اسمك حاضرًا في حياتنا بما تركته فينا من أثر.
لذلك، يا أبي، سأحتفي بذكرى ميلادك هذا العام بطريقة مختلفة.
سأحتفل بك بالدعاء.
اللهم في يوم ميلاد أبي، وقد أصبح بين يدي رحمتك، أسألك أن ترحمه رحمة واسعة، وأن تغفر له، وأن تنير قبره، وتؤنس وحشته، وتوسع مدخله، وترفع درجته في المهديين.
اللهم اجزه عنّا خير الجزاء.
اللهم إن أبي كان لنا أبًا وصاحبًا وصديقًا وأستاذًا، وكان كريم القلب، طيب السيرة، عظيم الأثر، فاجعل كل خير علّمه لنا، وكل قلب أحبه، وكل أثر طيب تركه في الناس، نورًا يصل إليه في قبره.
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجمعنا به في مستقر رحمتك، في دار لا فراق فيها.
يا أبي…
في ٢١ أغسطس، لن أقول لك: كل عام وأنت بخير.
سأقول:
كل عام وأنت في رحمة الله.
كل عام وأنت في مغفرته.
كل عام وأنت في نور لا ينطفئ.
كل عام وأنت في مكان أكرم وأجمل مما تركتنا إليه.
وسأظل أنا، في كل ٢١ أغسطس، أجلس مع نفسي وأراجع عامًا مضى…
كما علمتني.
سأراجع أخلاقي قبل إنجازاتي، ومواقفي قبل كلماتي، ووفائي قبل نجاحي، وأثري في الناس قبل أثري في الحياة.
فأنت علمتني أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، ولا فيما يقول، وإنما فيما يتركه وراءه من أثر طيب.
وأنت تركت أثرًا لا يغيب.
رحمك الله يا أبي…
لقد غبت عن أعيننا، لكنك لم تغب عن أرواحنا.
غبت عن مقعدك…
لكن كلماتك ما زالت تجلس معنا.
غاب صوتك…
لكن نصائحك ما زالت تُسمع في داخلي.
وغابت جلساتنا…
لكن «يوم المراجعة» ما زال قائمًا.
وسيظل قائمًا ما بقيت أنا.
٢١ أغسطس…
يوم ميلاد أبي.
ويوم أراجع نفسي.
ويوم أتعلم من جديد أن بعض الآباء لا ينتهون برحيلهم…
بل يبدأ حضورهم الحقيقي بعد الرحيل.
رحمك الله يا أبي، وغفر لك، وطيب ثراك، وجعل الجنة دارك ومستقرك.
وكل عام وأنت في رحمة الله يا من كنت لي أبًا…
وصاحبًا…
وصديقًا…
وأخًا…
وأستاذًا…
وسيظل ٢١ أغسطس موعدًا بيني وبينك…
موعدًا للمراجعة، والوفاء، والدعاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى