
.
بقلم: الدكتور أحمد عبدالله إسماعيل
ليست الحروب وحدها هي التي تقتل الأوطان، بل إن الفساد، حين يجد طريقه إلى مؤسسات الدولة، يصبح سلاحًا أشد فتكًا من المدافع، لأنه يهدم الثقة، ويقوض العدالة، ويستنزف الموارد، ويقتل الأمل في نفوس الشعوب.
السودان اليوم يقف أمام لحظة فارقة من تاريخه. فبينما يواجه شعبه واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، وتُزهق الأرواح، ويُهجَّر الملايين، وتُدمر المدارس والمستشفيات والأسواق ودور العبادة، لا يزال المواطن ينتظر من مؤسسات الدولة أن تكون حصنه الأخير، فإذا به يرى جدلًا وصراعات حول إدارة الموارد والقرارات العامة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أعلى درجات المسؤولية والشفافية.
إن ما أثير بشأن العلاقة التعاقدية بين بنك السودان المركزي وشركة العسجد فيما يتعلق برخصة مشغل المحمول المالي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره ملفًا إداريًا معزولًا، بل باعتباره مناسبة مشروعة لطرح أسئلة جوهرية حول الحوكمة الرشيدة، والشفافية، وإدارة المال العام، ومدى خضوع القرارات العامة للرقابة والمساءلة وسيادة القانون.
ففي زمن الحروب، تصبح كل مؤسسة وطنية مسؤولة مسؤولية مضاعفة، لأن أي قرار يفتقر إلى الوضوح أو العدالة لا ينعكس على مؤسسة بعينها، بل يهز ثقة المواطنين في الدولة نفسها. والثقة ليست قيمة معنوية فحسب، بل هي أساس الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
لقد آن الأوان لأن نعترف بأن معركة السودان ليست فقط مع البنادق، وإنما أيضًا مع الفساد وسوء الإدارة والإفلات من المحاسبة. فحين تُدار الوظائف العامة بمنطق الولاء بدلًا من الكفاءة، وحين يُنظر إلى مؤسسات الدولة باعتبارها أدوات نفوذ لا مؤسسات خدمة عامة، فإن الدولة تبدأ في فقدان معناها الحقيقي.
إن حقوق الإنسان لا تقتصر على حماية المدنيين من العنف، بل تشمل كذلك حق كل مواطن في إدارة نزيهة للمال العام، وفي مؤسسات مستقلة، وعدالة متساوية، وشفافية في اتخاذ القرار، ومساءلة لكل من يتولى مسؤولية عامة. فالفساد ليس مجرد مخالفة إدارية، بل هو اعتداء على حقوق الإنسان في التنمية والكرامة والمساواة والعدالة.
ومن المؤلم أن يشعر كثير من المواطنين بأن المطالبة بالإصلاح قد تُقابل أحيانًا بالتخوين أو التشكيك، بينما تبقى الحاجة إلى تعزيز المساءلة والشفافية قائمة. إن الدولة الواثقة من نفسها لا تخشى النقد المسؤول، بل تعتبره أداة للإصلاح، لأن النقد الذي يستند إلى المصلحة العامة هو شريك في بناء الدولة، لا خصم لها.
إن من يحمل السلاح ضد المدنيين يرتكب جريمة في حق الوطن، ومن يسيء استخدام السلطة أو يهدر المال العام أو يضع المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة يساهم، بطريقته، في إضعاف الدولة وتقويض مستقبلها. وكلا الأمرين يستدعيان سيادة القانون، ومؤسسات مستقلة، ومحاسبة عادلة وفق الإجراءات القانونية.
إن إنقاذ السودان لن يتحقق بالمزايدات الوطنية، ولا بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار لقيم النزاهة، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وحماية المبلغين، وتمكين الأجهزة الرقابية، وضمان أن تكون جميع العقود والامتيازات والقرارات العامة خاضعة للشفافية والمراجعة والمساءلة.
فالوطن ليس ملكًا لحكومة، ولا لحزب، ولا لمجموعة مصالح، بل هو ملك لكل مواطن دفع من دمه وعرقه وأحلامه ثمن بقائه.
والتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار يوم تبدأ الحروب، وإنما يوم تتوقف مؤسساتها عن حماية القانون، ويصبح الفساد أمرًا مألوفًا، ويصمت الشرفاء خوفًا أو يأسًا.
إن السودان يستحق دولة تُحترم فيها الحقوق، وتُصان فيها الأموال العامة، وتُدار فيها المؤسسات بالكفاءة والنزاهة، ويخضع فيها الجميع، دون استثناء، لسلطان القانون. تلك ليست أمنية مثالية، بل هي الشرط الأول لبقاء الدولة، واستعادة ثقة الشعب، وبناء سلام عادل ومستقبل يليق بالسودانيين.


