دكتور عبد الناصر سلم بكتب : من الوساطة إلى الضغط

بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً بشأن السودان هو متى تنتهي الحرب، بل ماذا سيحدث إذا لم تنتهِ؟

يبدو أن هذا السؤال بدأ يجد طريقه إلى واشنطن. فمشروع «قانون سلام السودان» المطروح داخل الكونغرس الأمريكي لا يقتصر على المساعدات الإنسانية أو العقوبات، بل يتضمن بنداً يطالب الإدارة الأمريكية بتقييم ما إذا كانت الأطراف المسلحة المنخرطة في الحرب تستوفي معايير الإدراج ضمن أنظمة العقوبات والتصنيفات المرتبطة بالإرهاب.

صحيح أن المشروع لا يزال في مراحله التشريعية ولم يتحول إلى قانون نافذ، لكن مجرد طرحه يكشف عن تحول تدريجي في الطريقة التي يُنظر بها إلى الحرب السودانية داخل بعض دوائر صنع القرار الأمريكي. فبعد سنوات من الرهان على الوساطات والضغوط الدبلوماسية، بدأ يتشكل انطباع متزايد بأن الأدوات التي استُخدمت حتى الآن لم تنجح في تغيير مسار الصراع.

عندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، ساد اعتقاد لدى كثير من العواصم المؤثرة بأن الضغوط السياسية والوساطات الإقليمية والدولية ستدفع الأطراف المتحاربة، عاجلاً أم آجلاً، إلى طاولة التفاوض. ولهذا تعددت المبادرات، وعُقدت الاجتماعات والمؤتمرات، وتكررت الدعوات إلى وقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية.

لكن الواقع سار في اتجاه مختلف.

فبدلاً من الاقتراب من التسوية، اتسعت رقعة الحرب وتعقدت خريطة الصراع. وبدلاً من احتواء آثارها، تحولت إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. ملايين النازحين واللاجئين، ومدن فقدت جزءاً كبيراً من بنيتها الأساسية، واقتصاد يواجه انهياراً غير مسبوق، فيما استمرت المعارك في إعادة تشكيل المشهد السوداني عاماً بعد آخر.

في هذا السياق، يبدو مشروع القانون أكثر من مجرد خطوة تشريعية. فبين سطوره يمكن قراءة قدر من الإحباط من محدودية الأدوات التي جرى الاعتماد عليها طوال السنوات الماضية. وعندما يبدأ الكونغرس في مناقشة العقوبات والتصنيفات وآليات المساءلة، فإن ذلك يعكس تراجع الثقة في أن الوساطة وحدها قادرة على إنهاء الحرب.

ومع ذلك، من المهم تجنب المبالغة في تفسير ما حدث. فالمشروع لم يصبح قانوناً بعد، ولا يزال أمامه مسار تشريعي طويل. وحتى إذا أُقر بصورة نهائية، فإن البند المتعلق بالأطراف المسلحة لا يفرض تصنيفاً تلقائياً، بل يطلب من الإدارة الأمريكية إجراء مراجعات قانونية وتقديم تقييمات محددة قبل اتخاذ أي خطوة تنفيذية.

لكن أهمية المشروع لا تكمن فقط فيما قد ينتج عنه مستقبلاً، بل أيضاً في الرسالة التي يبعث بها الآن. فمجرد فتح نقاش من هذا النوع داخل الكونغرس يشير إلى أن المزاج السياسي في واشنطن بدأ يتغير، وأن الرهان على الوساطة وحدها لم يعد يحظى بالثقة نفسها التي حظي بها في السنوات الأولى للحرب.

كما أن الرسالة لا تتوجه إلى الأطراف السودانية وحدها. فالحرب لم تعد منذ وقت طويل شأناً سودانياً خالصاً. ومع امتداد أمد الصراع، تشكلت حوله شبكات معقدة من التمويل والدعم والعلاقات الإقليمية. ولذلك فإن أي حديث أمريكي عن العقوبات أو التصنيفات لا يستهدف المتحاربين فقط، بل يمتد إلى كل من يساهم في استمرار الحرب أو يستفيد منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

هنا تحديداً تبرز أهمية البند الأكثر إثارة للجدل في المشروع. فالقضية لا تتعلق فقط بإمكانية صدور قرار مستقبلي، وإنما بما يترتب على مجرد فتح هذا الملف. فالبنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين والمستثمرون يتعاملون عادة بحذر شديد مع أي جهة تصبح موضع مراجعة من هذا النوع، وفي كثير من الأحيان تبدأ الآثار السياسية والاقتصادية قبل صدور القرار الرسمي نفسه.

لكن التحول الأهم ربما يتعلق بطريقة فهم الحرب ذاتها.

ففي السنوات الأولى كان التركيز منصباً على وقف القتال وإطلاق عملية سياسية. أما اليوم فيبدو أن السؤال المطروح داخل بعض دوائر صنع القرار الأمريكي أصبح مختلفاً: ماذا لو استمرت الحرب سنوات أخرى؟ وكيف يمكن منعها من التحول إلى واقع دائم؟

هذا السؤال ليس تفصيلاً صغيراً. فالحروب الطويلة تخلق مصالحها الخاصة، ومع مرور الوقت تتحول من حالة استثنائية إلى واقع يتعلم الجميع التعايش معه. تنشأ شبكات اقتصادية وأمنية تستفيد من استمرارها، وتتكون موازين نفوذ جديدة، وتصبح التسوية أكثر كلفة لبعض الأطراف من استمرار القتال نفسه. وعندما تصل أي حرب إلى هذه المرحلة، يصبح الخوف الحقيقي ليس من استمرارها فحسب، بل من تحولها إلى وضع دائم.

وربما هنا تكمن المعضلة الأساسية. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، لم تعد الحرب مجرد أزمة تنتظر حلاً سياسياً، بل بدأت تنتج واقعاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً خاصاً بها. ومع كل شهر إضافي من الصراع، تزداد قدرة الفاعلين المرتبطين بالحرب على التكيف معها والاستفادة من استمرارها. ولذلك قد لا تكون المشكلة التي تشغل واشنطن اليوم هي كيفية إنهاء الحرب فقط، بل كيفية منعها من أن تصبح النظام القائم في السودان.

من هذه الزاوية يمكن فهم جانب مهم من التحول الجاري. فواشنطن لا تنظر فقط إلى المعارك الدائرة اليوم، بل إلى شكل السودان الذي قد ينتج عن استمرار الحرب لسنوات إضافية. فدولة ضعيفة ومجزأة، تعاني من انتشار السلاح وتآكل المؤسسات وتمدد الشبكات المسلحة، تمثل تحدياً أمنياً وسياسياً يتجاوز حدود السودان نفسه.

ويكتسب هذا القلق بعداً إضافياً بسبب الموقع الجغرافي للسودان. فالبلاد تقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا والخليج العربي. وأي اضطراب طويل الأمد في هذا الموقع لا يبقى محصوراً داخل الحدود السودانية، بل ينعكس على محيط إقليمي شديد الحساسية.

لهذا لا يبدو أن القلق الأمريكي مرتبط فقط بالكلفة الإنسانية الهائلة للحرب، رغم أهميتها، بل أيضاً بما يمكن أن تتركه من آثار استراتيجية طويلة المدى على المنطقة بأكملها.

وربما يكون هذا هو جوهر التحول الجاري. فبدلاً من التركيز على كيفية إنهاء الحرب فقط، بدأ التفكير يتجه نحو كيفية رفع كلفة استمرارها. وهذا لا يعني التخلي عن الوساطة أو المفاوضات، لكنه يعكس شعوراً متزايداً بأن الإقناع وحده لم يعد كافياً.

وبالنسبة للسودانيين، فإن أهمية هذه التحولات تتجاوز العقوبات المحتملة أو التصنيفات المستقبلية. فكل تغيير في حسابات القوى الدولية ينعكس بصورة أو بأخرى على مسار الحرب وفرص السلام. وإذا نجحت هذه المقاربة في زيادة الضغوط على الأطراف المتحاربة والداعمين لها، فقد تسهم في خلق ظروف مختلفة عن تلك التي سادت خلال السنوات الماضية

ومع ذلك، يبقى من المبكر الجزم بأن هذا التحول سيقود إلى تسوية سياسية أو إلى تغيير جذري في مسار الحرب. فالتجارب الدولية تظهر أن العقوبات والضغوط قد تدفع أحياناً نحو التسويات، وقد تؤدي أحياناً أخرى إلى مزيد من التعقيد.

لكن ما يجري داخل الكونغرس يستحق المتابعة، ليس فقط لأنه قد ينتج قانوناً جديداً، بل لأنه يكشف عن تغير في السؤال نفسه. فبعد سنوات من البحث عن طرق لإيقاف الحرب، بدأ جزء من النقاش الأمريكي يدور حول كيفية منعها من أن تصبح واقعاً دائماً.

وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، لم يعد الخوف مقتصراً على استمرار الحرب، بل امتد إلى احتمال تحولها إلى نظام دائم يُعاد إنتاجه عاماً بعد آخر. وعندما تبدأ القوى الكبرى في التفكير بهذه الطريقة، فإن ذلك لا يعني فقط أن أدوات التعامل مع الأزمة تتغير، بل يعني أيضاً أن الحرب نفسها دخلت مرحلة جديدة في نظر العالم

Exit mobile version