المرأه السودانيه و نساء العالم ،، صفحات مضيئه في سجل الانسانية

بقلم : د. صلاح عبدالملك دعاك

أحيانًا تكون قروبات المؤسسات جامدة، لا يتجاوز دورها تبادل الرسائل الإدارية والأخبار الروتينية، إلا أن الأمر يختلف عندما يكون القروب لمجموعة من الأساتذة والبروفيسورات. وعندما يكون هذا القروب لأساتذة كلية الطب بجامعة أفريقيا العالمية فإن الموضوع يختلف أكثر؛ فهناك الألفة، والأخوة الصادقة، والشعور الجميل بأن الجميع أسرة واحدة. وفي ظل هذا الجو الأسري الجميل، هناك بعض الزميلات – ولن أذكر أسماءهن لأنني لم أستأذنهن – يحرصن دائمًا على التذكير بدور المرأة وإبرازه، وكأنهن يخشين أن يطغى عليه الحضور الذكوري في المجتمع.

وأنا أتابع هذا النقاش الودود بين الحين والآخر، أجد نفسي أعود إلى سؤال قديم: هل كانت المرأة حقًا غائبة عن صناعة التاريخ حتى نطالب اليوم بإعادتها إلى المشهد؟ أم أنها كانت حاضرة دائمًا، لكننا لم نحسن قراءة الأدوار التي لعبتها في بناء المجتمعات وصناعة التحولات الكبرى؟

في تقديري أن الرجل السوداني، رغم ما يعتري بعض الممارسات من قصور أو أخطاء، ظل من أكثر الرجال تقديرًا للمرأة واحترامًا لدورها. فكثير مما يقوم به الأب أو الأخ أو الابن من رعاية وحماية لا ينطلق بالضرورة من الرغبة في السيطرة، وإنما من شعور بالمسؤولية والتقدير. ولا يعني ذلك أن الصورة مثالية أو أن التجاوزات غير موجودة، فلكل مجتمع نماذجه المختلفة، لكن الحديث عن المرأة بوصفها ضحية دائمة للرجل لا يعكس الحقيقة كاملة، خاصة في المجتمع السوداني الذي ظل يحتفظ للمرأة بمكانة رفيعة داخل الأسرة والمجتمع.

وحين نعود إلى صفحات التاريخ نجد أن المرأة لم تكن يومًا على هامش الأحداث. فكلما قرأت قصة السيدة خديجة رضي الله عنها وهي تستقبل رسول الله ﷺ العائد من غار حراء وهو يقول: “زملوني زملوني”، أدركت أن التاريخ لا تصنعه القوة وحدها، ولا الجيوش وحدها، ولا الرجال وحدهم. ففي تلك اللحظة الفاصلة من تاريخ البشرية كان أول من ثبّت قلب النبي ﷺ امرأة. لم تحمل سيفًا، ولم تقُد جيشًا، ولم تعتَلِ عرشًا، لكنها امتلكت ما هو أعظم من ذلك كله: الإيمان والبصيرة والحكمة. بكلمات قليلة صنعت أثرًا امتد إلى البشرية كلها حين قالت: “كلا والله لا يخزيك الله أبداً”.

ومن يتأمل مسيرة الإسلام يجد أن المرأة كانت شريكًا أصيلًا في التأسيس والبناء. كانت عائشة رضي الله عنها مدرسة للعلم، وكانت أم سلمة صاحبة رأي وحكمة، وكانت أسماء بنت أبي بكر سندًا للدعوة في أشد مراحلها حساسية، وكانت نسيبة بنت كعب نموذجًا للشجاعة والثبات. ثم تأتي آسيا بنت مزاحم، زوجة فرعون، لتقدم للبشرية كلها درسًا خالدًا في أن الإيمان قد يكون أقوى من السلطان، وأن امرأة واحدة يمكن أن تقف بثبات في وجه أعتى طاغية عرفه زمانه، فتخلد سيرتها في القرآن الكريم مثالًا للثبات على المبدأ.

وإذا تجاوزنا صفحات التاريخ الإسلامي إلى التاريخ الإنساني الأوسع وجدنا نماذج أخرى تؤكد أن القيادة والحكمة لم تكونا يومًا حكرًا على الرجال. ففي القرآن الكريم تبرز ملكة سبأ حاكمةً تمتلك الرؤية والبصيرة وحسن التدبير. فعندما واجهت تحديًا مصيريًا لم تندفع نحو الحرب ولم تستسلم للغرور، بل شاورت قومها ووازنت بين الخيارات واختارت الحكمة. ولذلك بقيت قصتها واحدة من أروع النماذج في القيادة الرشيدة.

وفي وادي النيل برزت كليوباترا التي استطاعت أن تفرض حضورها في عالم كانت تحكمه الإمبراطوريات والجيوش، وظلت واحدة من أكثر الشخصيات النسائية حضورًا في ذاكرة التاريخ. أما في السودان، فقد كتبت الكنداكات أسماءهن بحروف من نور في سجل الحضارة النوبية، فحكمن وقُدن وأدرن شؤون الممالك، حتى أصبح لقب “الكنداكة” إلى يومنا هذا رمزًا للعزة والكبرياء الوطني. ثم جاءت مهيرة بت عبود لتؤكد أن الكلمة قد تكون أحيانًا أشد تأثيرًا من السلاح، فبقصائدها أيقظت الهمم وألهبت مشاعر الرجال دفاعًا عن الأرض والكرامة، فخلدها التاريخ في الوجدان السوداني.

ومع تطور الزمن لم تتراجع أدوار النساء، بل اتخذت أشكالًا جديدة. ففي أوروبا برزت الملكة إليزابيث الأولى التي قادت إنجلترا في مرحلة مفصلية من تاريخها، ثم ظهرت مارغريت تاتشر التي عرفت بلقب “المرأة الحديدية” لقوة شخصيتها وحزمها في اتخاذ القرار. وفي العصر الحديث أصبحت أنجيلا ميركل واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في العالم، وقدمت نموذجًا مختلفًا للقيادة يقوم على الهدوء والعقلانية والرؤية بعيدة المدى.

وفي آسيا لمع اسم إنديرا غاندي التي قادت الهند في ظروف معقدة، ثم جاءت بنازير بوتو لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة حكومة في دولة إسلامية معاصرة، فاتحةً بابًا جديدًا أمام مشاركة المرأة في الحياة السياسية. ولم يعد وصول النساء إلى قمة السلطة حدثًا استثنائيًا، فقد شهدت العقود الأخيرة تولي نساء رئاسة الحكومات والدول في نيوزيلندا وفنلندا والدنمارك والنرويج وآيسلندا وبنغلاديش وغيرها من الدول، في تجارب أكدت أن القيادة لا ترتبط بجنس الإنسان بقدر ما ترتبط بالكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية.

وفي أفريقيا المعاصرة تبرز الدكتورة سامية حسن سليحو، أول امرأة تتولى رئاسة تنزانيا، والتي انتقلت من العمل المحلي إلى قيادة دولة كبيرة ومتنوعة، لتصبح نموذجًا ملهمًا للمرأة الأفريقية. وفي جنوب شرق آسيا قدمت سنغافورة نموذجًا آخر من خلال حليمة يعقوب التي وصلت إلى رئاسة الدولة بعد رحلة طويلة من العلم والعمل والاجتهاد.

غير أن أعظم النساء أثرًا في التاريخ لم يكن بالضرورة من جلسن على العروش أو قدن الحكومات. فهناك أمهات ربين القادة والعلماء، ومعلمات صنعن الأجيال، وطبيبات أنقذن الأرواح، ومتطوعات حملن هموم الناس في الحروب والكوارث والأزمات. وهؤلاء ربما لا تحفظ كتب التاريخ أسماءهن، لكن آثارهن باقية في حياة الملايين.

وفي السودان الحديث ظلت المرأة حاضرة في ميادين التعليم والطب والعمل الاجتماعي والعمل الإنساني. وكانت من أوائل النساء في الوطن العربي اللاتي دخلن القضاء والعمل الأكاديمي والحياة البرلمانية. وقدمت نماذج رائدة في مختلف المجالات، حتى أصبحت المرأة السودانية متقدمة في كثير من المحطات على نساء دول عديدة من حولها. وربما أقعدتها ظروف البلاد وما مرت به من أزمات وحروب، لكنها لم تفقد قدرتها على الصمود والعطاء.

ولعل من الملاحظات الاجتماعية التي كثيرًا ما أستحضرها أن المرأة السودانية تمر بمراحل مختلفة من التأثير داخل الأسرة والمجتمع. ففي سنواتها الأولى تكون أكثر ارتباطًا بقرارات الأسرة، ثم تنتقل في مرحلة النضج إلى موقع الشريك الكامل في اتخاذ القرار، قبل أن تصل في سنوات الحكمة والخبرة إلى موقع المرجعية الأسرية التي يُرجع إليها الجميع. وقد أظهرت دراسة ميدانية أجريناها مع منظمة كير في شمال بارا حول القرارات الصحية والعادات الاجتماعية أن “الحبوبة” كانت في كثير من الأحيان صاحبة القرار النهائي في القضايا المصيرية داخل الأسرة، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي تتمتع به المرأة السودانية في مراحل متقدمة من عمرها.

لذلك فإن قصة المرأة ليست قصة صراع مع الرجل بقدر ما هي قصة شراكة معه. فخلف كثير من الإنجازات امرأة آمنت بفكرة، أو ربت إنسانًا، أو دعمت مشروعًا، أو ثبتت قلبًا، أو ألهمت أمة. ومن خديجة التي ثبتت قلب النبي ﷺ، إلى آسيا التي انتصرت بإيمانها على الطغيان، إلى ملكة سبأ التي جنبت قومها ويلات الحرب، إلى الكنداكات اللاتي حكمن ممالك النيل، إلى مهيرة بت عبود التي أيقظت الهمم، إلى نساء العصر الحديث اللاتي قدن دولًا ومؤسسات كبرى، يبقى الخيط واحدًا: أن المرأة كانت دائمًا شريكة في صناعة التاريخ، لا هامشًا فيه.

وإذا كان الرجال قد شيدوا كثيرًا من صروح الحضارة، فإن النساء قد شيدن الإنسان الذي بناها. ولذلك فإن تكريم المرأة ليس منحة يمنحها المجتمع، بل هو اعتراف بدور تاريخي وحضاري وإنساني ظل حاضرًا منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا. فالمرأة كانت ولا تزال شريكة في بناء الأوطان، وصناعة السلام، وتربية الأجيال، وحمل الرسالات، وكتابة صفحات المجد في سجل الإنسانية.

حفظ الله نساء السودان ونساء العالم أجمع، وألهمهن القوة والحكمة، وجعل فيهن امتدادًا لذلك الإرث العظيم الذي بدأ بخديجة، ومرّ بآسيا وملكة سبأ والكنداكات ومهيرة بت عبود، وما زال يكتب فصوله الجديدة في كل زمان ومكان.

Exit mobile version