بقلم:
أمل أبو القاسم
ظلت غرف المليشيا وأذرعها السياسية والإعلامية تلتزم الصمت حيال كل هجوم أو اعتداء يستهدف المدنيين والمناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة، أو الضربات التي تنفذها الطائرات المسيّرة وتؤدي إلى سقوط عشرات الضحايا، كما حدث خلال الأشهر الماضية في عدد من المدن الآمنة. ويزداد هذا الصمت إزاء المذابح الجماعية والانتهاكات الواسعة التي شهدها إقليم دارفور وغيره من مناطق السودان.
لكن ما إن تستهدف القوات المسلحة السودانية المليشيا أو معداتها العسكرية، أو تحقق تقدماً ميدانياً ضدها، حتى ترتفع أصوات تلك المنصات بالاستنكار والإدانة، وتخرج البيانات المتشابهة مضموناً ولغةً، في مشهد يكشف ازدواجية المعايير والانحياز الواضح.
وينطبق الأمر ذاته على العلاقة مع جمهورية مصر العربية. فهذه الأطراف تتجاهل أدوار بعض الدول التي تتهمها الحكومة السودانية وبعض المنظمات والتقارير الدولية عبر أدلة موثوقة بدعم المليشيا بالسلاح والعتاد، فيما فتحت أخرى أراضيها للتجنيد والتدريب، ومطاراتها منصات لانطلاق المسيرات التي تحصد عشرات الأرواح، فضلا عن تسهيل مرور المعدات العسكرية، كما تغض الطرف عن مشاركة مرتزقة أجانب في الحرب الدائرة بالسودان. بل إن بعض هذه الأصوات تبرر تلك الأفعال أو تتجنب انتقادها طالما أنها تعتقد أنها قد تفتح لها طريقاً للعودة إلى السلطة.
في المقابل، يستهدف هؤلاء مصر بحملات متواصلة رغم أنها لم تنخرط في هذا المسار، وظلت تؤكد دعمها لوحدة السودان ومؤسساته الشرعية، وترفض إقامة أي حكومة موازية، كما أعلنت موقفها الرافض للمليشيات منذ وقت مبكر، قبل اندلاع الحرب الحالية ولعل كل هذا النبل الذي لم يعتادوه هو أس وجعهم.
ومن هذا المنطلق، وجد الزراع السياسي والإعلامي للمليشيا ضالتهم مؤخراً في حادثة “جبل إيقات”، فدبجوا الروايات الكاذبة التي زعمت أن الطيران المصري استهدف مواقع داخل الأراضي السودانية! والملخص الحقيقي للقصة حسبما ورد أن القوات الجوية المصرية، وبعد رصد دقيق ومعلومات استخباراتية موثوقة، استهدفت تحركات مشبوهة لمهربين وتجار سلاح ومخدرات، إلى جانب مجموعات تقوم بالتعدين الجائر غير القانوني بينهم أجانب، وكل ذلك تم داخل العمق والحدود المصرية تماماً في منطقة جبل إيقات، ولم تتخطَّ الطائرات خط الحدود أو تستهدف شبراً واحداً في نطاق السودان.
ومن المعروف أن المناطق الحدودية تُعد مناطق أمن قومي ذات طبيعة عسكرية خاصة، وأن لكل دولة الحق الكامل في حماية حدودها ومنع أي أنشطة غير مشروعة داخل أراضيها. كما أن مصر ظلت تؤكد باستمرار أن أمنها القومي خط أحمر، خاصة في ظل الأوضاع الأمنية المضطربة التي يشهدها السودان.
وفي نهاية المطاف، قامت السلطات المصرية بترحيل هؤلاء إلى معبر أرقين وتسليمهم للجهات المختصة السودانية لاتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنهم.
وحتى لا يزايد المتنطعون ــ علماً أو جهلاً أو تغافلاً ــ فإن ما فعلته مصر بحماية حدودها تفعله كل دول العالم لحفظ بقائها، والتاريخ مليء بقصص مشابهة مثلا وعلى سبيل المثال لا الحصر : مصر (الحدود الغربية) لسنوات طويلة، ظل الطيران الجوي المصري يستهدف ويدمر مئات السيارات الرباعية الدفع التابعة لمهربين وتكفيريين حاولوا اختراق الحدود الواسعة مع ليبيا، ولم يقل أحد وقتها إن مصر تعتدي على جيرانها، بل كانت تحمي أمنها من تسلل السلاح والفوضى.
الولايات المتحدة (الحدود الجنوبية) تعمد أمريكا على نشر قوات الحرس الوطني وتستخدم الطائرات المسيرة والمروحيات لضبط حدودها مع المكسيك، وتتعامل بحسم عسكري صارم مع كارتيلات المخدرات وجماعات التهريب العابرة للحدود.
كذلك تركيا (الحدود الجبلية): يشن الجيش التركي بانتظام ضربات جوية وعمليات مدفعية في مناطقه الحدودية الوعرة لمنع تسلل عناصر حزب العمال الكردستاني ومهربي السلاح عبر الجبال.
إن أمن الحدود مسألة سيادية لا مساومة فيها، ولطالما شارك السودان في محافل دولية تُعنى بمكافحة الجرائم العابرة للحدود؛ فكيف تنكرون على الآخرين حقاً مارسه السودان واجتهد فيه؟ بالله عليكم كيف تحكمون؟!
ولمن يحاولون المزايدة أو توظيف الحادثة سياسياً، فإن أمن الحدود يمثل قضية سيادية بالغة الحساسية. والسودان نفسه شارك في العديد من الاتفاقيات والجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى مكافحة الجرائم العابرة للحدود، بما في ذلك تهريب السلاح والمخدرات والاتجار بالبشر. كما ظل يعاني من تحديات كبيرة في تأمين حدوده الممتدة مع عدد من الدول.
لذلك فإن التعامل مع هذه القضايا ينبغي أن يكون وفق مبادئ القانون والمصالح الوطنية، لا وفق حسابات الاستقطاب السياسي أو المواقف الانتقائية.
وستظل العلاقة بين السودان ومصر قائمة على التعاون والمساندة والمصالح المشتركة، كما ستبقى الروابط بين الشعبين أعمق من محاولات الوقيعة والتحريض. ومن المهم عدم الانجرار وراء حملات الاستهداف الإعلامي التي تسعى إلى خلق توترات مصطنعة بتدبيج ونسج الفتن بين شعبين تجمعهما علاقات تاريخية راسخة، لأن نجاح تلك المحاولات لن يخدم سوى من يسعون إلى تعميق الأزمات وإطالة أمد الصراع.
