
رفضت المليشيا أن يعيش الغلابة في منطقة أم كريدم بغرب بارا _ شمال كردفان فرحة عيد الاضحى المبارك وهى تمطرهم بوابل الرصاص والقنابل الحارقة بعد نهب ثرواتهم على قلتها وفشل مشروع تهجيرهم والعيش على حواف المدن وأطراف الحارات ، طلب اعوان التمرد هدنة خلال الفترة الماضي والضغط على المفاوضات وبالملف الانساني لإنعاش التمرد وإعادته للحياة بعد موات سيظل حاضرا” وبأشكال مختلفة ومن بينها مواصلة خطة العنف والقوة الباطشة أمام مواطن أعزم ؛ ومن يلاحظ يرى أن الغرف السياسية والاعلامية للمليشيا تصنع من الجرائم والانتهاكات أجندة لتصميم خطاب تعاطف لا صك إدانة لمشروع إنهار من اول يوم له ؛ غير أنهم يريدون إحيائه بأي قمت ولو على جمام المساكين في قرى و( قيزان ) كردفان النائية .
بهذا الموقف ، طبعاً لا تخشى المليشيا وظهيرها السياسي إطلاقاً أي غضبة شعبية محلية ولا هياج على صفحات الناشطين على السوشيال ميديا ؛ وذلك لأنَّ ما ينطبق على علاقات المنظمات الدولية والغرب عموما” بمشروع خراب السودان لا ينطبق بأي شكل إنساني ولا غيره من الاخلاق والقييم. وبالتالي، فقط أكثر المتابعين سذاجةً ، أو ميلاً إلى الإنكار ، يصدّقون أنَّ الرباعية أو الخماسية راعٍ محايد ووسيط مؤتمن لعملية حل الأزمة الحالية بالبلاد.
من جهة أخرى ، تجري عملية المؤامرة أمام خلفيتين مهّمتين ، هما :
أولاً ، توسّع العمليات العسكرية وشد الأطراف في حدود النيل الأزرق مع اثيوبيا وكردفان وحدود دارفور مع ليبيا وتشاد وافريقيا الوسطى ، تدميراً وتهجيراً لأهالي الطينة اقصى اقليم دارفور والمرة وأم سعدون وغيرها من قرى كردفان ، بذريعة استئصال البنية التحتية لـ ( للكيزان ) ، مع كل ما تستتبعه على الداخل السوداني من تأزيم سياسي وإجتماعي وإنساني ، وتأجيج قبلي وخراب اقتصادي ونهب ثروات. وهذا بالضبط ما يسعى إليه الإسرائيليون في نطاق مشروعهم التقسيمي والتفتيتي للسودان ومخلبه التمرد رغم ضعف وتراجع قدراته العسكرية والسياسية ..
وثانياً ، إعادة صياغة العلاقات الاستراتيجية بين السودان والغرب في خضم تغيّرات سياسية ودبلوماسية متسارعة في علاقات واشنطن وتل ابيب الدولية والإقليمية ، وأيضاً في العقيدة القتالية للمليشيات المصنوعة والمستخدمة في التأزيم الداخلي للمنطقة .
إن قاموس السودان حافل بالقدرات وكذلك الاحتياط موجود في كيفية التعامل مع أصل المؤامرة وليس تمظهراتها ، ولا أعتقد أن العقل الاستراتيجي بالبلاد وقد يختلف معي آخرين في استخدام عبارة ( إستراتيجي ) ان يكون منشغلا” بالأزمة الداخلية المتفاقمة في الموقف الشعبي السودان تجاه المليشيا ومخلفاتها ومترتباتها. بقدر ما نلمس أن هناك إتجاه مهم في التعامل مع الجبهة المعادية للسودان التي تحاول أن تجمع بين اليسار في كل تشكيلاته والمعسكر السياسي الانفعالي في مشروع المليشيا مع ان المحاولة تبدو مستحيلة لعدة تداخلات واعتبارات سودانية خالصة بيد الاهم التعامل معها بحدية ورؤية ثابتة. نحن كلّما اتجهنا نحو الانحيازات السودانية الصغرى ، اتسع نطاق ظاهرة رفض هذه التوليفة لتشمل بعض المعتدلين في الأحزاب السياسية يمينا” ويسارا”. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين الجيش والشعب ومكوناته الإجتماعية كافة في الحرب الحالية ضد المليشيا والمرتزقة ، والمساهمة الكبيرة والمؤثرة للمستنفرين من كل فئات وتنظيمات المجتمع السوداني في العمليات القتالية المشتركة التي أخرجت التمرد حسيرا” من الخرطوم ووسط السودان فضلا” عن التشابك في عمليات كردفان والنيل الازرق والمتحركات المتجه نحو دارفور .. كل ذلك مقابل التقدير البالغ للجيش السوداني على ( شراكته ) الحرب مع القوة المشتركة ضد تمرد المليشيا ، والتنسيق الشعبي خارج المؤسسة العسكرية وحاشية المكونات الإجتماعية التي بدأت تثمر إستسلامات وعصيان ومقاومة طبيعية ضد مشروع الخراب ، بدأت تتشكّل الجبهة المعادية لمشروع المؤامرة داخل المناطق الجغرافية التي تتحرك فيها المليشيا في كردفان ودارفور ، تُصوّر المليشيا على أنَّها (جرّت) كردفان ودارفور إلى صراع قبلي داخلي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية فكيف يكون حال المواطن المغلوب علي أمره ؛ ولذا يتحتم على زعامات النظام الاهلي والديني في هذه المناطق إلى أن يتُقدّموا الصفوف ؛ ليس مجرد ظهور وإنما فعل قائم على أساس المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية والتعايش الذي هو ممسك لجغرافية السودان الممتدة ، بل صناعة حلف شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للأمن القومي للبلاد .
ومن ثم يمهد الطريق إلى تعزيز نموذج جديد لعلاقات الدولة المركزية مع الاقاليم لا يقتصر على تلقّي المرتبات للموظفين، بل يشمل الشراكة الحقيقية وبالدستور والقانون في محاسبة ومعاقبة سلوك نيل الحقوق السياسية والخدمية بقوة السلاح .
مهم في هذا السياق ان ننبه لسياساتنا الخارجية وبعض من الدول المؤثرة متضايقة من إبعادها من منطقة وعمق مؤثر في إفريقيا والعالم العربي مثل السودان ولذا فهي تحاول أن تؤثر عليه سلبا” ( من الخارج ) لأنها غير مستفيدة منه . ومن ثم لفت النظر لبعض أسباب الضيق ، ما يلزم ضمن الاولويات الوطنية وردم الهوة مع العالم مواصلة الحوار الدبلوماسي الإستراتيجي الرفيع القائم على الندية بالنظر للنمو الهائل في الاستحواذات العالمية على الموارد العالمية بشراكات ثنائية مع الدول ومقابل مصالح ، الأمر الذي يتطلب خطوات نحو شراكات قائمة على البرامج التطويرية والتصنيعية المشتركة بين المجموعات العالمية العملاقة والشركات السودانية الناشئة في مختلف المجالات المسحية والاستشعارية والإستشارية الصناعية والعسكرية . وعلى سبيل المثال لا الحصر ، تكفي الإشارة إلى استثمارات الشركات الدولية في إفريقيا ، حيث لديها في مناطق عديدة لا يسع المجال لذكرها مرافق بحثية وتصنيعية هائلة ونحن نعيش في عالم تحكمه المصالح ولتصفير العداد وتقليل الازمات وتخفيف الضوائق الاقتصادية وهذا كله لا يمكن أن يتحقق إلا بالرهان على كتلة وطنية داخلية قوية ومتماسكة تعجز امامها محاولات التقسيم والارتباطات الاقليمية والدولية وتوقف تسابق بعض الساسة المسترئسين والمستوزرين على استجداء التأييد الخارجي وروافعه..



