بقلم : حسن السر
صباح يوم الخميس ، وفي محطة البنزين، لم يكن المشهد مختلفاً عن الأيام السابقة من حيث الازدحام، لكنه كان مختلفاً تماماً من حيث السبب. لم يكن الوقود شحيحاً، ولم تكن هناك أزمة إمداد، بل كانت المشكلة في مكان آخر تماماً: الشبكة معطلة، وكل التطبيقات البنكية خارج الخدمة.
من السابعة صباحاً وحتى التاسعة، وقف الناس في صفوف طويلة بلا حركة. ساعتان كاملتان ضاعتا من يوم العمل، ليس بسبب الوقود، بل بسبب عجز المواطن عن الدفع الإلكتروني. هذا المشهد لم يكن استثناءً، بل أصبح جزءاً من يوميات السودانيين الذين وجدوا أنفسهم رهائن لشبكات اتصالات غير مستقرة، وأنظمة بنكية تعتمد كلياً على الإنترنت دون بدائل.
الزمن الذي ضاع في محطة البنزين هو نفسه الزمن الذي ضاع على أصحاب الركشات والتكاسي الذين يعتمدون على ساعات الصباح الأولى لكسب رزقهم. وهو نفسه الزمن الذي ضاع على الموظفين، وعلى أصحاب المحلات، وعلى كل من حاول إنجاز أبسط معاملة مالية. في اقتصاد هش مثل الاقتصاد السوداني، ساعتان من التوقف ليست مجرد وقت ضائع، بل خسارة إنتاج، وتعطيل حركة، وتراجع ثقة.
الدولة تتجه نحو التحول الرقمي وتقليل استخدام الكاش، وهو توجه صحيح وضروري، لكن الرقمنة ليست شعاراً يُرفع، بل بنية تحتية تُبنى. لا يمكن الحديث عن اقتصاد رقمي بينما المواطن لا يستطيع شراء الوقود أو الخبز أو الدواء بسبب “ضعف الشبكة”. ولا يمكن بناء ثقة في النظام المصرفي بينما التطبيقات البنكية تتوقف لساعات دون تفسير أو اعتذار أو خطة بديلة.
الأخطر من ذلك أن هذا الوضع يعيد فتح الباب أمام ممارسات عرفها السودانيون قبل الحرب، مثل بيع النقود بالفائدة، وهي ممارسة تفتح أبواب الربا والفساد وتضرب الاقتصاد في جذوره. عندما تتعطل التطبيقات، يعود الناس مجبرين إلى الكاش، ومع قلة السيولة، يعود السوق الأسود للنقود، وتعود معه الفوضى المالية.
الأزمة ليست تقنية فقط، بل اقتصادية واجتماعية وأخلاقية. وهي ليست مشكلة مواطن يقف في صف البنزين، بل مشكلة وطن كامل يتعطل بسبب شبكة غير مستقرة. الحلول موجودة، لكنها تحتاج إرادة: تقوية البنية التحتية للاتصالات، توفير بدائل دفع تعمل دون إنترنت، تطوير الأنظمة البنكية، ووضع جهة رقابية تتابع جودة الخدمة وتحاسب المقصرين.
الرقمنة ليست تطبيقات على الهاتف، بل منظومة تبدأ من الشبكة وتنتهي بثقة المواطن. وما لم تُحل هذه المشكلة جذرياً، فإن التحول الرقمي سيتحول من فرصة للنهوض إلى عبء جديد يضاف إلى أعباء المواطن.
آخر القول
إن ما حدث صباح الخميس ليس مجرد انقطاع عابر، بل رسالة واضحة بأن الطريق نحو الرقمنة ما زال طويلاً وشاقاً. لا يمكن لبلد يسعى للنهوض أن يسمح لساعتين من انقطاع الشبكة أن تشل حركة مدينة كاملة. إذا لم تُعالج هذه الأزمة من جذورها، فإننا سنجد أنفسنا أمام اقتصاد رقمي على الورق فقط، بينما الواقع يعيد إنتاج الفوضى القديمة بطرق جديدة. لقد حان الوقت لاتخاذ خطوات جادة تضمن استقرار الشبكات، وتحمي المواطن، وتعيد الثقة في النظام المصرفي، لأن تعطّل الشبكة لم يعد مجرد مشكلة تقنية… بل أصبح مشكلة وطن.
كسرة
سَرَى بَرْقُ الرَّقَامَةِ في بِلادي
فَأَحْيَا المَجْدَ مِنْ بَعْدِ السُّهَادِ
وَنَالَ النِّيلُ حَوْسَبَةً وَفَصْلاً
يُتَرْجِمُ رِحْلَةَ العِلْمِ الجَدِيدِ
وَفِي الخُرْطُومِ تَأْتَلِفُ المَعَانِي
بِأَسْلاكٍ تَدُورُ مَعَ الزَّمَانِ
فَوَيْفَايٌ يُسَافِرُ فَوْقَ غَيْمٍ
لِيَرْبِطَ بَيْنَ أَقْصَى الوَادِيَ
يْنِسَنَبْنِي بِالخُيُوطِ المَجْدَ صَرْحاً
وَنَرْقُمُ بِالمَعَارِفِ كُلَّ آتِفَيَا سُودَانُ يَا وَطَنَ المَعَالِي
مَعَ الرَّقْمِيَّةِ انْطَلَقَتْ خُطَانَا

