أخر الأخبار

ياسين عمر يكتب : جدل التسويات الأخيرة.. تسع ملاحظات

1️⃣ الحرب السودانية لم تصل بعد إلى نهايتها الكاملة، وما تزال تداعياتها قادرة على تهديد حتى المدن المستقرة نسبياً مثل بورتسودان، لذلك فإن إدارة المرحلة الحالية تتطلب تقليل كلفة الحرب لا توسيعها كما ان الاستفادة من عفو القائد العام وتحفيز الانشقاقات والاستسلامات داخل المليشيا جزءاً من استراتيجية لإضعافها من الداخل وتسريع إنهاء الحرب، رغم صعوبة ذلك على المزاج الشعبي بسبب حجم الانتهاكات، ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يلغي العدالة، بل قد يمهد لاحقاً لمحاكمات وتسويات تضمن استقرار الدولة وسلاماً مستداماً ولو صورياً.

2️⃣ بعض الحلول المطروحة حالياً قد لا تبدو مثالية في نظر كثيرين، لكنها بالتأكيد لم تأتِ بمعزل عن حسابات الدولة فالمؤسسة العسكرية، بحكم إدارتها للمعركة والطرف الأكثر ضررا، تمتلك تقديرات تتعلق بحجم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المترتبة على استمرار الحرب، وهو ما يدفعها أحياناً إلى تبني خيارات تقوم على مبدأ (أقل الضررين) فـ إنهاء الحروب قد يتطلب أحياناً قرارات مؤلمة ومثيرة للجدل على المدى القصير، لكنها تظل أقل كلفة من استمرار الاستنزاف المفتوح وما يحمله من مخاطر على المجتمع والدولة معاً.

3️⃣ على الرغم من حالة الغضب الشعبي المفهومة تجاه بعض الأسماء المرتبطة بانتهاكات جسيمة وجرائم مروعة بحق المدنيين والنساء من المستسلمين، إلا أن منطق إدارة الحروب يفرض أحياناً مسارات أقل كلفة من استمرار النزيف المفتوح، هذا السيناريو يضعف فرص إطالة أمد الحرب، ويحد من قدرة الأطراف الخارجية وتجار الصراعات على الاستثمار في الفوضى السودانية، كما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي باتجاه تسوية تنهي القتال وتؤسس لمرحلة سلام، ولو كانت معقدة ومؤلمة في بداياتها.

4️⃣ تبدو الجهود التي تقودها هيئة الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات العامة في اتجاه تفكيك التحالفات المحيطة بالدعم وكأنها تمضي بقوة فالمؤشرات الحالية توحي بأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل انتقلت إلى تفكيك الحواضن والتحالفات وخلق حالة عزلة تدريجية حول قيادة المليشيا وتضييق المساحات السياسية والميدانية معاً وحتى في حال الوصول إلى تسوية أو اتفاق، فإن أقصى ما يمكن أن تمنحه المرحلة القادمة للشقيين هي مخرج يحفظ قدراً من التوازن أو ما تبقى من ماء الوجه، لا إعادة إنتاج النفوذ القديم أو العودة إلى ذات الموقع الذي كان قائماً قبل الحرب.

5️⃣ يبدو أن كثيراً من أصحاب المصلحة وأهل القرار باتوا يدركون أن المنابر الخارجية، مهما أظهرت من دعم أو تعاطف، تتحرك في نهاية الأمر وفق حسابات المصالح السياسية، وأن كلفة الارتهان للخارج غالباً ما تظهر لاحقاً في شكل فواتير باهظة تتجاوز حدود الدعم الظاهر، هذا الإدراك دفع بعض الأعيان والرموز المجتمعية إلى الاقتراب أكثر من مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية بحثاً عن مسار ثالث أكثر استقلالية، يقوم على تقليل حجم التأثير الخارجي وإدارة الأزمة من داخل البيت السوداني نفسه.

6️⃣ أرى أن هناك حملة منظمة لشيطنة القادة الذين غادروا صفوف المليشيا أو دخلوا في ترتيبات الاستسلام، عبر التركيز المكثف على ملفات الانتهاكات بهدف خلق ضغط شعبي يمنع الجيش من استيعاب من يضع السلاح، وفي جانب آخر، تحمل هذه الحملات رسائل ترهيب لكل من يفكر في مغادرة معسكر الحرب أو الاقتراب من خيار السلام، هذا المشهد يعكس كذلك حجم الاستثمار الخارجي في استمرار الصراع السوداني، إذ إن أي موجة استسلامات واسعة تعني إضعاف المليشيا من الداخل وتسريع نهاية الحرب، وهو ما لا يخدم الأطراف المرتبطة بمشروع الفوضى.

7️⃣ بعد موجة الاستسلامات والضغط الميداني والسياسي المتصاعد على المليشيا، تبدو خيارات حميدتي أكثر ضيقاً من أي وقت مضى، خاصة مع تآكل التحالفات الأهلية وتراجع رهانات المنابر الخارجية، وقد يجد حميدتي نفسه مضطراً للقبول بتسوية مباشرة مع الدولة لوقف الانهيار المتسارع داخل معسكره، أما إذا استمر في المكابرة، فإن دارفور نفسها (ستتملص) من مشروع الدعم وتعود تدريجياً إلى حضن الدولة، بينما لن يبقى أمام الأخوين الشقيقين سوى العودة إلى تجارة الإبل على الحدود، فالتاريخ كثيراً ما يعيد الناس إلى بداياتهم الأولى.

8️⃣ قد يرى البعض أن الترحيب اليوم بأي مسار يقود إلى السلام، بعد رفضه في مراحل سابقة، يمثل تناقضاً أو إقراراً بأن دعاة التسوية كانوا على صواب منذ البداية، لكن هذه القراءة تبدو قاصرة عن فهم طبيعة التحولات التي فرضتها الحرب نفسها، فجزء معتبر من القوى التي رفعت شعارات السلام سابقاً كان يُنظر إليها باعتبارها الغطاء السياسي للتمرد وامتداداً لتحالفات خارجية سعت لإعادة تشكيل الدولة السودانية وفق مصالحها الخاصة، لا وفق مشروع وطني خالص ولتفكيك ذلك توجد ثلاث دلالات:

أولا: واقع الدعم في بدايات الحرب كان يمثل خللاً استراتيجياً عميقاً، إذ امتلكت المليشيا قوة ونفوذاً يوازيان مؤسسات الدولة نفسها، وهو وضع تتحمل مسؤوليته النخب التي أدارت المرحلة السابقة، قبل أن تدخل القوات المسلحة في معركة إعادة التوازن واحتكار القوة تحت مظلة الدولة.

ثانيا: هذه المعركة في جوهرها لا تبدو موجهة ضد مكونات عربية أو إثنية بعينها، بقدر ما هي مواجهة مع مشروع مسلح ارتبط بخطاب الفتنة والانقسام يجب كبحه.

ثالثا: حجم التدخلات الإقليمية والتكالب الخارجي على السودان خلال المرحلة الحالية جعل خيار إطالة الحرب أكثر خطورة من أي وقت مضى، خاصة مع تصاعد مؤشرات الاستهداف غير المباشر للأمن السوداني.

9️⃣ من نافلة القول أن أي جهد حقيقي يقود إلى وقف النزاع وتقليل كلفة الدم والخراب يظل هدفاً مشروعاً، ليس فقط بحسابات السياسة، وإنما أيضاً وفق مقاصد الشريعة الإسلامية والقوانين والأعراف الدولية التي تجعل حفظ الأرواح واستقرار الدول أولوية تتقدم على استمرار الصراع المفتوح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 14 =

زر الذهاب إلى الأعلى