
في زمنٍ تتكاثر فيه الأسماء وتتشابه السير، تبرز بعض الشخصيات لا لأنها سعت إلى الضوء، بل لأن الضوء اهتدى إليها وذلك من خلال ما قدمته هذه الشخصيات من أعمال إنسانية تسجل بأحرف من ذهب .
وفي مقال سابق تناولت النجاحات والجهود التي قدمها الهلال الأحمر القطري – مكتب السودان – في مجال العمل الإنساني وحجم المساعدات التي لا تعد، ووقوفه مع المواطن السوداني وهو يعاني من تبعات الحرب ، وخاطر أفراده بحياتهم من أجل الوصول الي مكان المعاناة والحاجة ، وهذا لن يتأتي ما لم يكن هناك رجال صادقون يؤمنون بالإنسانية رسالة والمهنة الي رأفة والمنصب مسؤولية تتطلب العمل الجاد.
وحسن الإدارة الي نجاح يمشي بين الناس ، فكان من يدير مكتب الهلال الأحمر القطري في السودان رجل عرفته الإنسانية ، سخر كل إمكانياته الي واقع يتلمس الحوجة والي إنجاز يقف شاهدا وشفيعا له يوم لا ينفع مال ولا بنين الإ من أتي الله بقلب سليم ، فهكذا تبدو سيرة الدكتور صلاح عبدالملك دعاك ، رئيس مكتب الهلال الأحمر القطري – مكتب السودان ، سيرةٌ لا تُقرأ بوصفها قائمة من المناصب، بل كرحلة إنسانٍ اختار أن يحمل مهنته إلى حيث الألم أشد، والحاجة أصدق.

بدأت الحكاية من السودان، حيث تشكّلت البدايات الأولى لطبيبٍ لم يرَ في الطب مجرد مهنة، بل رسالة تتجاوز الجسد إلى المجتمع. درس الطب وتعمّق في مجالات الصحة العامة والطب الوقائي، حتى صار من الأسماء التي تجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية. نال البوردات المهنية في طب المجتمع، والبورد الأمريكي في مكافحة العدوى، وتدرّج علميًا حتى أصبح بروفيسورًا بكلية الطب في جامعة أفريقيا العالمية، حيث ظل التعليم بالنسبة له امتدادًا لفكرةٍ أكبر: أن المعرفة إن لم تُنقذ إنسانًا، فهي معرفة ناقصة.
لكن هذه السيرة لم تُكتب داخل القاعات، بل في الميدان… هناك حيث تتكشّف المعاني الحقيقية للمهنة. في دارفور، بدأت التجربة التي صاغت ملامح هذا المسار. لم يكن طبيبًا ينتظر المرضى، بل كان يذهب إليهم حيث هم، في قرى أنهكتها الحرب والنزوح. أسهم في تأسيس مرافق صحية من الصفر، في بيئةٍ كان فيها الوصول إلى الدواء رفاهية، والرعاية الصحية حلمًا بعيدًا. لم يكن ذلك مجرد عملٍ إنساني، بل كان فعلًا من أفعال إعادة الحياة إلى أماكن كادت تفقدها.
ثم امتدت الرحلة إلى جنوب كردفان، إلى كادقلي والدلنج، حيث تتداخل تعقيدات النزاع مع هشاشة الخدمات. هناك، لم يكن التحدي طبيًا فقط، بل إنسانيًا في جوهره؛ كيف يمكن الحفاظ على فكرة الحياة وسط واقعٍ يهددها كل يوم؟ فكان العمل مزيجًا من الطب والصبر، ومن العلم والإيمان بقدرة الإنسان على الصمود.

وفي شمال كردفان، أخذت الرحلة بُعدًا أكثر قربًا من الناس. من بارا إلى أم قرفة، ومن أم سيالة إلى الحمرة، كانت القرى تتناثر على خارطةٍ قاسية، لكنها في ذاكرته صارت سلسلة من الوجوه والحكايات. هناك، تعلّم أن الوصول إلى الناس هو جوهر الرسالة، وأن الثقة تُبنى قبل أي خدمة، وأن الطبيب قد يكون أحيانًا أقرب إلى صديقٍ يحمل الدواء بيد، ويمنح الطمأنينة بالأخرى.
هذه البدايات لم تكن مجرد محطات، بل كانت الأساس الذي حمله معه إلى العالم. في دارفور مرة أخرى، عمل مع المنظمات الدولية مثل “كير” و“إنقاذ الطفولة”، حيث تحوّل العمل الإنساني إلى منظومة أكثر اتساعًا، لكنه ظل محتفظًا بروحه الأولى.
ثم جاءت العراق، في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا، حيث تولّى منصب المدير القطري للإغاثة الإسلامية البريطانية في أربيل. هناك، لم يكن يدير برامج فقط، بل كان يدير توازنًا دقيقًا بين الحياة والمخاطر، بين الحاجة العاجلة والواقع الأمني المتقلب.

وفي الأردن، وسط تدفقات اللاجئين السوريين، برز دوره كمدير إقليمي للعمل الإنساني، يعمل على تخفيف معاناة النزوح، ويبحث عن طرق تمنح اللاجئ شيئًا من الكرامة وسط فقدان الاستقرار. هناك أيضًا، امتد حضوره إلى المجتمع، حيث تولّى رئاسة الجالية السودانية، رابطًا بين الوطن وأبنائه، ومجسدًا فكرة أن الانتماء لا تقيّده الجغرافيا.
ومن الأردن إلى بريطانيا، واصل عمله كمدير إقليمي، متنقلًا بين أزماتٍ متعددة في اليمن ولبنان وباكستان وبنغلاديش والهند والصومال وكينيا… في كل محطة، كان يحمل ذات السؤال: كيف يمكن أن نُبقي الإنسان في قلب العمل الإنساني، لا على هامشه؟
لكن هذه الرحلة، على اتساعها، لم تكن معزولة عن الفكر. فقد كان له حضور في منتدى الفكر العربي في الأردن، وعلاقة مميزة مع سمو الأمير الحسن بن طلال، حيث تلاقت التجربة الإنسانية مع التأمل الفكري، وصار السؤال عن الإنسان جزءًا من مشروعه، لا مجرد نتيجة له.
وفي الأدب، وجد مساحة أخرى للتعبير. كتب مقالات فكرية، وكان له إسهام واضح في النقاش الثقافي، لكن كتابه “سيمفونية الخريف” شكّل علامة فارقة؛ عملٌ أدبي حمل همّ السلام المجتمعي، ونال إشادة في أروقة الأمم المتحدة في سويسرا بوصفه نموذجًا للأدب الذي يسعى لترميم ما تهدّم في الوجدان قبل الأرض.
كما ظل حاضرًا في قضايا الصحة المعاصرة، خاصة في مجال مكافحة السرطان، حيث شارك في الحملة العربية لمكافحة السرطان ممثلًا للسودان، وكان عضوًا في الجمعيات الأفريقية المعنية بمحاربة السرطان والمخدرات. كما اختير سفيرًا للسودان في مبادرات الصحة العالمية في مجال تقليل الأضرار، جامعًا بين الرؤية الطبية والفهم المجتمعي.
ولم يغب صوته عن الإعلام، فقد قدّم برامج تلفزيونية توعوية، خاصة في مجال مكافحة السرطان، مؤمنًا بأن الكلمة الواعية قد تكون بداية العلاج.
وحين عاد إلى السودان في واحدة من أكثر لحظاته قسوة، بدا وكأن كل هذه الرحلة كانت إعدادًا لتلك اللحظة. تولّى رئاسة مكتب الهلال الأحمر القطري في السودان، في وقتٍ كانت فيه البلاد تواجه أزمة إنسانية عميقة بسبب الحرب. هناك، لم يكن الدور إداريًا فحسب، بل كان قيادةً لجهدٍ إنساني واسع، يسعى إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
أشرف على استقبال وتوزيع المساعدات القطرية التي تدفقت إلى السودان، وسعى إلى إيصالها إلى كل من يحتاجها، عبر جغرافيا معقدة وممزقة. من شمال البلاد إلى غربها، ومن الولايات المنهكة بالحرب إلى تلك التي تستقبل النازحين، تحرّكت القوافل، تحمل الغذاء والدواء، وتعيد وصل ما انقطع من خيوط الحياة.
في تلك اللحظة، اكتملت الدائرة: من القرى البعيدة في كردفان ودارفور، إلى قيادة واحدة من أكبر عمليات الإغاثة في البلاد. سيرةٌ بدأت من إنسانٍ بسيط في قريةٍ نائية، وعادت إليه… ولكن عبر رحلةٍ طويلة من العطاء.
هكذا تُكتب سيرة صلاح دعاك؛ لا كقصة نجاح فردي، بل كحكاية التزامٍ عميق، ظل وفيًا لفكرة واحدة: أن تكون في صف الإنسان، أينما كان… وأن تظل، مهما اتسعت المسافات، قريبًا من المعنى الأول.



