
لعله ليست من نافلة القول إن الجذور التاريخية لما يسمى صراع المركز والهامش تعود الى فترة الاستعمار البريطاني الذي ذرع قنابل موقوتة داخلية وخارجية فحدودنا مع كينيا قبل الانفصال ضم فيها مثلث اليمي الى كينيا أما بنى شنقول التي كانت جزءاً أساسياً من السودان حتى قبل أن يأخذ شكله ذاك في عهد محمد علي باشا اصبحت الآن اقليماً اثيوبياً اسمه بتي شنقوق -قمز. ومع مصر كانت قضية حلايب ماثلة ماضياً وحاضراً، وفي الداخل ذرعت مشكلة ابيي بين مديريتي كرفان وبحر الغزال، كما إن سياسة المناطق المقفولة التي كانت سبباً أساسياً في دعاوى التهميش قد رسمها السير هارولد ماكمايكل السكرتير الإداري لحكومة السودان الانجليزي والذي ألف كتاباً اعتمدت عليه حكومته في إدارة السودان أسماه ( تاريخ العرب في السودان )، في ذاك الكتاب تبنى ماكمايكل سياسة مناهضة لعقيدة أمومية نظم توريث النوبة التي ساد بها العرب المسلمون على النوبة في الشمال، كما ذكرنا ذلك في مقال بعنوان ( أيها الانجليز لكم في نصبنا نصيب ) .
يضاف الى هذا الكتاب كتاب القس جون سبينسر تريمنغهام ( الإسلام في السودان ) وملخصه أن الدين في السودان غير ملتزم به كما في بقية دول الشرق الأوسط وبالتالي يسهل تنصير أهله، ولكن ترمينغهام حاول تجريب ذلك وفشل في قصة شهيرة كانت بطلتها فتاة أم درمانية حاول تنصيرها كما اشرنا في المقال المذكور في الفقرة أعلاه، ولعل وصف ترمينغهام ذاك قد تطابق مع وصف تاج الدين البهاري في بدايات زيارته للسودان،حيث كانت الثقافة تقوم على تقاليد مثل مفهوم الحكيم، والساحر كوسيط روحي، والرقص الطقوسي و الاستحواذ على المزايا الإلهية عن طريق التشخيص، والمحاكاة، وكانت الاضرحة مزارات للدعاء وشفاء المرضى ولكن الأمر قد تحسن مع مرور الأيام وأصبح هناك وعياً دينياً يركز على الكتاب والسنة ويتجاوز الكثير من البدع والخرافات ومحدثات الأمور.
يمكننا هنا تذكير القس تريمنغهام أن زواج هنري الثامن ملك انجلترا من آن بولين زوجته الثانية قد تطلب طلاق زوجته الأولى كاثرين اوراغون في عام 1524 بعد أن عارضته البابوية في روما فلم يأبه هنري لمعارضتها، فعقب ان امتنعت عن المصادقة على الزواج الجديد أحدث انقلاباً من أخطر الانقلابات التي انتابت المسيحية في أوروبا، فقد جعل اسقف كانتربري الانجليزي يعقد الزواج الجديد، وفصل الكنسية الانجليزية عن كنيسة روما، وصار ملك انجلترا منذ ذلك الوقت هو رأس الكنسية وقد بلغت زيجات هنري ست مرات بعد أن اصبح بروتسانتيا وغير معه كل الإنجليز ،غير أن الأمر الأكثر مأساوية هو أن المرأة التي عدل الدين بسببها تم اتهامها بتهمة الزنا لمجرد أن السير هنري نوريس ( شاغلها) فلم (تكشر) في وجهه وحكم عليها بالإعدام في برج لندن، وخير القضاة الملك في الاختيار بين نوعين من طريقة الإعدام إحراقها حية أم قطع رأسها فاختار العقوبة الأخيرة رحمة بها ، وتقديراً للعشرة !!!! .
إن ذلك التعديل الديني الذي أخرج بريطانيا تماماً عن سلطة البابوية قد ألغى حقاً مهما للكنيسة بموجب اتفاقية الماقنا كارتا أو الوثيقة العظمى التي وقعت في العام 1215 وقد نص البند الأول فيها على أن تكون الكنيسة في انجلترا حرة من أي تدخلات حكومية في شؤونها، في حين يحصر البند الثاني حقوق الملك في التدقيق في الغرامات والواجبات المالية للنبلاء عندما تسلم أراضيهم بعد وفاتهم الى ورثتهم .يتبع



