
المعلوم بالضرورة للجميع ان المناصب الدستورية والتنفيذية في الأنظمة الديمقراطية تأتي عبر الإنتخابات حسب أوزان الأحزاب التي تخوض الإنتخابات وتجارب السودان في الحقب الديمقراطية في نهاية الستينات ومنتصف الثمانينات خير شاهد لما نقول ولعلها تجارباً لم تنضج ولم تستمر طويلاً بسبب الإنقلابات العسكرية سواء اكان في 1969م او في1989م….
كما أنه للسودان تجارباً اخري لاتفاقيات مع الحركات المسلحة ينتج عنها تولي هذه القيادات العسكرية مناصباً دستورية وقد حدث ذلك عام 1972م عقب توقيع اتفاقية أديس ابابا مع حركة أنانيا وحققت الاتفاقية استقرارا لعشر سنوات متتالية قبل اندلاع تمرد الراحل جون قرنق عام 1983م..وكانت التجربة الثانية هي اتفاقية نيفاشا التي إنتهت للأسف بانفصال جنوب السودان…
اما التجربة الثالثة والتي هي محور حديث اليوم هي ما عرف باتفاق سلام جوبا والذي تم توقيعه بين القوات المسلحة وعدد من حركات دارفور الحاملة للسلاح برعاية المتمرد الهالك محمد حمدان دقلو عندما كان يشغل منصب الرجل الثاني في الدولة وتم بموجبها تولي رئيس حركة تحرير السودان مالك عقار منصب نائب رئيس مجلس السيادة ورئيس حركة العدل والمساواة دكتور جبريل ابراهيم منصب وزير المالية ورئيس حركة تحرير السودان مني اركو مناوي منصب حاكم اقليم دارفور المحتلة الآن بمليشيا التمرد والقائد مصطفي تمبور وعدد من الوزراء من منسوبي هذه الحركات المسلحة المشاركة الان في حرب الكرامة مع القوات المسلحة فيما عرف بالقوات المشتركة بعد ان تبنت الحياد مع بداية الحرب قبل أن تنضم لاحقا للانحياز للوطن وللمشاركة…
بقراءة موضوعية لاتفاق سلام جوبا فان الوضع يقول ان الاتفاقية لم تحقق السلام المطلوب بقدر ماهي وفرت وظائفاً دستورية لقيادات الحركات الموقعة وربما أيضا منعت اي صدام كان محتملا بين هذه الحركات المسلحة والجيش ولكن بالقطع ان هدفها كان اكبر من ذلك…ثم ان مكونات الاتفاق قد حدث فيه تآكل من الداخل بخروج الطاهر ادريس وحجر من الاتفاق بل ذهبوا الي صفوف تمرد آل دقلو مقاتلين في صفوفهم ..وثالث ثغرات الاتفاق ان بعض من وقعوا عليه مما عرف بمسار الوسط والشرق لم يجدوا مناصباً دستورية وكانما الاتفاق صمم فقط لحركات دارفور المتمردة ورابع ثغرات اتفاق سلام جوبا هو ان الميقات الزماني الوارد في نصوص الاتفاق قد انتهي فعلا مما كان يستوجب مراجعة الاتفاق وتقييم جدواه الأمر الذي لم يحدث بسبب مشاركة الحركات الموقعة عليه في الحرب الدائرة الان جنبا الي جنب مع الجيش ولاتريد الحكومة ان تدخل في صراع يفتت من عضد الجبهة الداخلية فجاء غض الطرف عن الحديث عن مراجعة اتفاق سلام جوبا ثمنا لهذه الشراكة المستمرة الان…
لكن ما يلفت الانتباه الان هو تعيين حركة العدل والمساواة لأمناء للحركة في ولايات الجزيرة والنيل الابيض وسنار وهي مازالت حركة حاملة للسلاح ولم تتحول بعد لحزب سياسي يحق له العمل المدني…
إن التداخل الواضح الان بين طبيعة نشاط الحركات المسلحة وبين عمل الحزب وفق قانون تنظيم شؤون الاحزاب يثير الكثير من التساؤلات والاجابات بالطبع لدي اهل القانون…فهل يحق لحركة مسلحة مازالت تحمل السلاح خارج اطار مؤسسة الجيش وتعمل معه بموجب اتفاق منتهي الصلاحية ان تؤسس لها مكاتباً مدنية وتمارس نشاطا سياسيا مدنياً ؟ ام ان ممارسة العمل السياسي والمدني يتطلب اولا توفيق الاوضاع والتحول الي حزب ووضع السلاح جانبا كخطوة اولي وضرورية قبل الانخراط في العمل المدني والنشاط المرتبط بالحزب…
صحيح ان توفيق الاوضاع والدمج والتسريح في القوات المسلحة واكمال الترتيبات الامنية يحتاج وقت وتقديرات عسكرية يعرفها القائمون علي امر الجيش ولكن الصحيح ايضاً ان التداخل في عمل بين ماهو عسكري وما هو مدني يتطلب الضبط والاحتكام لسيادة حكم القانون…



