
لم يكن ما جرى في مؤتمر برلين حول السودان حدثًا عابرًا في سياق الأزمة السودانية، بل كان محطة كاشفة، بل فاصلة، كشفت بوضوح نهاية مرحلة كاملة من الأوهام السياسية التي عاشت عليها قوى “تأسيس” وواجهاتها المختلفة من “القحاتة”، التي ظلت تراهن على الخارج أكثر من رهانها على شعبها.
لقد جاء مؤتمر برلين في توقيت بالغ الحساسية، والسودان يمر بأقسى مراحل تاريخه الحديث، حيث الدماء لم تجف، والجراح لم تندمل، والانتهاكات بلغت حدًا يصعب توصيفه بالكلمات. ومع ذلك، خرج المؤتمر بمخرجات باهتة، أقرب إلى بيانات العلاقات العامة منها إلى حلول حقيقية، وكأن من اجتمعوا هناك لا يدركون عمق المأساة، أو أنهم اختاروا تجاهلها عمدًا.
التوصيف الاستراتيجي للمشهد
من زاوية تحليلية عميقة، يمكن قراءة مؤتمر برلين باعتباره إعلانًا غير مباشر لانتهاء صلاحية مشروع “تأسيس” السياسي. ذلك المشروع الذي بُني على فرضيات هشة، أبرزها إمكانية إعادة تشكيل الدولة السودانية عبر أدوات خارجية، وتحت مظلة ضغوط دولية، دون امتلاك قاعدة شعبية حقيقية أو شرعية ميدانية.
لقد أثبتت الوقائع أن أي مشروع سياسي لا يستند إلى الإرادة الوطنية الخالصة، مصيره الانهيار، مهما حظي بالدعم الخارجي. وهنا تحديدًا، سقطت رهانات “القحاتة” الذين تصوروا أن العواصم الأوروبية يمكن أن تمنحهم ما لم يمنحه لهم الشعب السوداني.
بل إن المؤتمر نفسه كشف حجم التباعد بين تلك القوى وبين نبض الشارع السوداني، حيث غابت الرؤية الواقعية، وحضرت الشعارات المستهلكة، وغاب الحديث الجاد عن العدالة والمحاسبة، خاصة فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة التي طالت المدنيين، وعلى رأسها جرائم الاغتصاب والانتهاك التي هزت ضمير كل سوداني حر.
مخرجات لا تُغني ولا تُسمن من جوع
ما خرج به المؤتمر لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال استجابة لحجم الكارثة. فلا قرارات حاسمة، ولا آليات واضحة للمحاسبة، ولا حتى اعتراف صريح بحجم الجرائم المرتكبة.
كيف يمكن لمؤتمر دولي أن يتجاهل صرخات الأمهات، وأنين الضحايا، ودموع المغتصبات؟
كيف يمكن أن يتحدث عن “حلول سياسية” دون أن يضع العدالة في مقدمة أولوياته؟
إنها مخرجات لا ترد شرفًا انتهك، ولا تعيد حقًا مسلوبًا، ولا تداوي جرحًا نازفًا، بل تكرس لحالة من الإفلات من العقاب، وتمنح الجناة مساحة إضافية للاستمرار.
التشييع السياسي… بلا عودة
إذا كان لكل مشروع سياسي لحظة صعود، فإن له كذلك لحظة سقوط. ومؤتمر برلين كان، بكل المقاييس، لحظة التشييع الأخير لمشروع “تأسيس” ومن يدور في فلكه.
لقد انتهت تلك المرحلة التي كان فيها البعض يعتقد أن بإمكانه تجاوز الداخل السوداني، أو القفز فوق معاناة الناس، أو المتاجرة بآلامهم في منصات الخارج.
اليوم، أصبح واضحًا أن المستقبل لا يُصنع في برلين ولا في غيرها، بل يُصنع هنا، داخل السودان، بإرادة أبنائه، وبدماء من صمدوا في وجه المحنة.
تحية لمن قال كلمة الحق
وفي خضم هذا المشهد، لا بد من توجيه كلمة شكر صادقة لكل سوداني حضر ذلك المؤتمر، ووقف بشجاعة ليقول كلمة الحق في وجه الباطل.
أولئك الذين لم تغرهم الأضواء، ولم تساومهم الضغوط، بل حملوا صوت الضحايا، ونقلوا معاناة أهلهم بصدق وأمانة، كانوا بمثابة الضمير الحي الذي حاول أن يصحح المسار، ولو جزئيًا.
لقد أثبتم أن السودان لا يزال بخير، وأن فيه رجالًا ونساءً لا يقبلون بالظلم، ولا يساومون على الكرامة.
ختامًا…
سيظل مؤتمر برلين شاهدًا على مرحلة انتهت، وعلى مشروع لفظ أنفاسه الأخيرة، وعلى قوى فقدت بوصلتها حين ابتعدت عن شعبها.
أما السودان، فسيبقى، رغم الجراح، أكبر من كل المؤتمرات، وأعمق من كل المشاريع المستوردة، وأقوى بإرادة شعبه الذي لا يُهزم.
رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وردّ كرامة كل من انتُهكت حقوقهم…
فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى .



