أخر الأخبار

دكتور صلاح دعاك يكتب : الذكاء الاصطناعي في مؤسسات التعليم: أزمة فهم أم أزمة ضمير؟

 

قبل أيام، لم يكن المقال الذي نُشر في مدونة “لايتر ريبورتس” مجرد كلام عابر في ساحة الفكر، بل بدا كجرس إنذار يُسمع صداه في الجامعات. الفكرة التي نقلها المفكر بول ساغار كانت واضحة وصادمة: لم يعد الأمر مجرد تطور تقني، بل تحول قد يغيّر معنى التعليم نفسه. وفي السودان، لا نملك رفاهية النظر إلى هذا الطرح من بعيد، فجامعاتنا، التي تعاني أصلًا من ضيق الإمكانات واضطراب الظروف، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍ جديد، لا يُرى بالعين، لكنه يتسلل بهدوء إلى داخل القاعات والدفاتر.
لم يعد الطالب بحاجة إلى سهر الليالي أو مجاهدة الفكرة حتى تستوي. وأذكر أننا درسنا في مدرسة خورطقت الثانوية، تلك المدرسة التي كانت تمثل نموذجًا صارمًا في الانضباط والمذاكرة. كنا نعيش في بيئة أشبه بالمعسكر المغلق، حيث نظام تربوي متكامل يبدأ من السكن، ويمر بسفرة الطعام، وينتهي في الفصل الدراسي الذي لا يزيد عدد طلابه عن ستة وعشرين.
في بداية العام الدراسي، حضر الأستاذ السني عبدالله معروف، وكان مدير المدرسة آنذاك، فوقف عند باب الفصل، متكئًا على قائم الباب ولم يدخل إلى الفصل، وقال لنا: “أنتم الآن في مدرسة خورطقت، وهنا لا نعطيكم الspeling بالصورة التي كنتم تأخذونها في المدارس المتوسطة (كلمة كلمة تحفظ)، بل سنعطيكم إملاء باللغة الإنجليزية”، أي إن الطالب مطالب بكتابة موضوع كامل، وهو قادم لتوه من المدرسة المتوسطة. كانت لحظة مهيبة لا تُنسى، انعكست في وجوه الطلاب الصغار الذين انكبوا على التعلم بجدية نادرة، وهؤلاء هم الذين يدخلون الجامعات وهم في أتم الاستعداد، بعقول متقدة ونفوس مفتوحة للعلم دون مؤثرات.
لم يكن هناك هاتف يشغلنا، ولا واتساب ولا فيسبوك يسرقان الوقت أو يشتتان الذهن. كان الطالب يعتمد على ما يقرأه، يحفظه، ثم يعيده في الامتحان. كان الجهد هو الطريق الوحيد، وكان الآباء يخافون على أبنائهم حتى من التلفزيون؛ فمشاهدة مسلسل لا تتجاوز مدته خمسًا وأربعين دقيقة كانت تُعد ترفًا مؤجلًا، فيُغلق التلفاز طوال أيام الدراسة، ولا يُفتح إلا في عطلة الأسبوع. ولا أدري، لو شهد آباؤنا عصر الهاتف الذكي ووسائل التواصل التي لا تفارق الطالب في حله وترحاله خمسًا وعشرين ساعة في اليوم، ماذا كان سيكون موقفهم.
أما اليوم، فقد تغير المشهد تمامًا. كل أنواع المشتتات متوفرة، وبضغطة زر يمكن لأدوات مثل ChatGPT أن تكتب للطالب ما يشاء دون أي جهد: نص مرتب، فكرة واضحة، وربما درجة عالية. كل شيء يبدو على ما يرام… إلا سؤالًا واحدًا لا يُطرح: من الذي تعلم فعلًا؟ هل يتعلم الطالب حقًا، أم أن هناك شيئًا آخر يحدث في الخفاء؟ والحقيقة أنني أشفق على طلاب هذه الأيام من كثرة المؤثرات؛ واتساب وفيسبوك، والهاتف لا يفارق أيديهم، حتى في أوقات يفترض أن تكون مخصصة للحفظ والمذاكرة. إنها مغريات يصعب مقاومتها، ولا يتغلب عليها إلا من امتلك إرادة قوية، وقدرة على مجاهدة النفس، ووضوحًا في تحديد الأهداف، وإلا أصبح الطالب ضحية لهذه الملهيات.
في الظاهر يبدو الأمر مريحًا: سرعة، وإنجاز، واختصار للطريق، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالكتابة لم تكن يومًا مجرد واجب يُسلّم، بل كانت طريقًا للفهم؛ كان الطالب يكتب ليصل لا ليُسلّم، يتعب ويخطئ ويعيد المحاولة، ثم يقترب من المعنى، وهذه الرحلة بكل ما فيها هي التي تصنع الفرق. وعندما تختفي هذه الرحلة لا نخسر الواجب فقط، بل نخسر بناء العقل نفسه، وهنا تكمن الخطورة، إذ لم تعد القضية مجرد غش، بل أصبحت سؤالًا عن نوع الإنسان الذي نُخرجه إلى المجتمع.
فالواجب الدراسي لم يكن يومًا مجرد اختبار عابر، بل كان تمرينًا على المسؤولية وتهيئة حقيقية للحياة. عندما نعطي الطالب مسألة في الرياضيات فيها جيب الزاوية وجيب التمام ونظرية فيثاغورث، فإننا في الحقيقة لا نختبر قدرته على الحل فقط، بل نختبر طريقته في التعامل مع الواجب، ومن خلالها نرى ملامح مستقبله. هناك من ينجز واجبه في وقته ويسلمه، وهؤلاء هم الذين يتعاملون مع العمل مستقبلًا بجدية ومسؤولية، وهناك من ينجزه بهدوء في المنزل دون ضجيج، وهناك من يحتاج دائمًا إلى من يساعده، وهؤلاء نجدهم في بيئة العمل لا ينجزون وحدهم، وهناك من لا يبالي أصلًا، لا في الدراسة ولا في العمل.
أما الفئة الأخطر فهي التي تنقل من كراسة غيرها دون أن تفهم، وهؤلاء قد يقعون في أخطاء جسيمة في حياتهم العملية، وربما يتعرضون لمخالفات تخرجهم من العمل أو توقعهم في مشكلات أكبر، وقد تقودهم إلى عواقب قاسية. إنها مشكلات ترتبط بالالتزام واللامبالاة، وقد تضر بحياتهم مستقبلًا، لأن ما نمر به خلال الدراسة هو في حقيقته إعداد لما نواجهه لاحقًا؛ تدريب على المسؤولية، وعلى إنجاز الواجب، وعلى إدراك قيمة الوقت والالتزام وقيمة الإنجاز. فتمرين الرياضيات الذي يحله الطالب هو ذاته الواجب الذي سيقابله في حياته المستقبلية، وتصرفه تجاهه يعكس التزامه في الحياة.
بهذا المعنى، لم تكن الدراسة تعليمًا وحفظًا فقط، بل كانت سلوكًا ونمط حياة تُبنى من خلاله شخصية الإنسان. وأعود إلى مدرسة خورطقت مرة أخرى، حيث كانت هناك أنشطة تُبرز المواهب؛ ليالي الداخليات، والتنافس المنظم الذي تظهر فيه مواهب الشعر والأدب والمسرح والموسيقى والغناء والرياضة وتلاوة القرآن، في صورة راقية تُعد الطلاب إعدادًا حقيقيًا لدخول الجامعات بأهداف واضحة ونضج فكري يجعلهم أكثر وعيًا بالحياة.
ولهذا، فإن التعلم عن بعد يحرم الطالب من هذا الاحتكاك الاجتماعي والمعرفي الذي يُخرج أفضل ما لديه من طاقات، ويعده للمرحلة القادمة من حياته. كما أن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي قد تكون له آثار عميقة على نوعية الطلاب والخريجين، وعلى قدرتهم على أن يكونوا عناصر منتجة في سوق العمل. وفي بلد مثل السودان، حيث تظل الشهادة مفتاحًا رئيسيًا للعمل، يصبح الأمر أكثر حساسية: ماذا يعني أن يحمل آلاف الخريجين شهادات متشابهة بينما قدراتهم الحقيقية مختلفة؟ وكيف يثق صاحب العمل في شهادة لا تعكس جهد صاحبها؟
إن التعلم عن بعد يحتاج إلى ضوابط وإمكانات، فهناك علوم تُتلقى سماعيًا ويجب أن تُؤخذ مباشرة من الأستاذ، وأخرى لا تُكتسب إلا بالممارسة، وجزء كبير منها يقوم على روح الفريق والعمل الجماعي، وكل ذلك لا يتحقق والطالب وحيد أمام شاشة هاتفه. كما أن هناك مهارات وسلوكيات لا تُكتسب إلا في بيئة جامعية حقيقية، من خلال التفاعل مع الثقافات والأفكار المختلفة، وهي “ثقافة الاحتكاك” التي يصعب تعويضها عن بُعد، خاصة مع تحديات الذكاء الاصطناعي التي تجعل التمييز بين الفهم الحقيقي وقشور المعرفة أمرًا معقدًا.
وقد نجد أنفسنا أمام واقع مرتبك، تتراجع فيه قيمة الشهادة ويعلو فيه الشك، وربما نضطر للعودة إلى طرق تقليدية في التقييم لنكتشف ما كان ينبغي أن تقوله الجامعة منذ البداية. ورغم أن البعض يرى الحل في تشديد الرقابة والعودة إلى الامتحانات داخل القاعات، فإن المشكلة أعمق من ذلك؛ فالذكاء الاصطناعي لم يصنع الأزمة بل كشفها، كشف أننا كنا نهتم بما يُكتب أكثر مما نهتم بما يُفهم، وأننا انشغلنا بالشكل وتركنا الجوهر.
إن التحدي الحقيقي ليس في منع هذه الأدوات، فهذا أمر شبه مستحيل، بل في إعادة تعريف التعلم نفسه: كيف نُعلم الطالب أن يستخدمها دون أن يفقد عقله، وأن يجعلها وسيلة مساعدة لا بديلًا عنه. كما أن المسؤولية لا تقع على الطالب وحده، بل تمتد إلى الأستاذ والمؤسسات التعليمية، التي أصبحت مطالبة بابتكار وسائل تقييم تكشف الفهم الحقيقي، وتعتمد على النقاش والتحليل والشرح المباشر، إلى جانب سن قوانين واضحة تحمي قيمة العلم وتحد من النقل الأعمى، خاصة في المراحل العليا.
في النهاية، ليست المشكلة أن تكتب الآلة… المشكلة أن يتوقف الإنسان عن التفكير. ولعل ما ينبغي التأكيد عليه أننا لسنا أمام معركة بين الإنسان والآلة، بل بين عقل حاضر وعقل مستسلم. فالأدوات ستبقى وتتطور، لكن الفارق الحقيقي سيظل فيمن يُحسن استخدامها ومن يجعل نفسه تابعًا لها.
إن الطالب الذي يتعامل مع هذه الوسائل كمرجع، يناقشها ويختبرها ويعيد صياغتها، هو الذي سيقود مستقبلًا بيئات العمل المعقدة، أما من يكتفي بالنقل فإنه لا يختصر الطريق كما يظن، بل يؤجل ضعفه إلى لحظة المواجهة، حيث لا آلة تنقذه ولا نص جاهز يجيب عنه.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الاعتياد على الحلول الجاهزة لا يُضعف المعرفة فقط، بل يُضعف الإرادة أيضًا؛ فالذي لم يتعلم الصبر على الفهم لن يصبر على تعقيدات الحياة، والذي لم يتدرب على تحمل مسؤولية واجبه لن يتحمل مسؤولية قراره.
ولهذا، فإننا لا نحتاج فقط إلى تطوير المناهج، بل إلى إحياء معنى التعلم في نفوس الطلاب؛ أن نعيد لهم قيمة السؤال، ولذة الاكتشاف، وشغف التعلم، وروح المنافسة الحميدة، وشرف المحاولة حتى مع الخطأ، وأن نُربي فيهم الشجاعة الفكرية لا مجرد القدرة على الإجابة.
فالعلم لم يكن يومًا سباقًا نحو الإجابة الصحيحة فقط، بل كان رحلة نحو الفهم الأعمق، وإذا كانت الآلة قادرة على أن تكتب… فإن الإنسان وحده هو القادر على أن يفهم، ويُدرك، ويصنع المعنى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى