ياسين عمر يكتب: صدقت نبؤءة الثورة .. الجنجويد يتحل

 

1. تتهم قوات الدعم السريع الجيش بمحاولة عرقلة التحول الديمقراطي أو الانقلاب على المسار المدني بقيادة د. حمدوك، وهو اتهام غير معقول، فهي نفسها بادئ الأمر فضّت اعتصام القيادة العامة، وارتكبت خلاله مجازر بشعة ضد الإنسانية، كما أنها مولّت لاحقاً اعتصام القصر الجمهوري الذي أفضى لإجراءات 25 أكتوبر، قبل أن يطرأ الخلاف على توزيع المناصب والوزارات، إضافة إلى ذلك، فقد استُخدمت من قبل النظام السابق لقمع التظاهرات المطالبة بإسقاط الرئيس السابق عمر البشير، حتى أن الرئيس كان يصفها بـ {حمايتي} في إشارة إلى الاستعانة بها على نوائب الدهر والأيام النحسات.

2. ليست المشكلة في ما تقوله قوات الدعم السريع عن نفسها، بل في ما يكشفه واقعها، فهي تروج لكونها جزءا من مشروع إصلاح الدولة، بينما بنيتها الداخلية تنقض هذا الادعاء من أساسه، كيف توصف بالقومية، ومفاصل القرار فيها تتمحور حول دائرة ضيقة يتصدرها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ويعاونه عبد الرحيم دقلو، مع أدوار محورية لكل من القوني دقلو وعبد الله دقلو؟

 

3. المسألة هنا ليست توصيفا سياسيا، بل منطق مؤسسي بسيط: أي قوة تُبنى على الولاء الشخصي والروابط الضيقة، لا يمكن أن تقدم كمؤسسة دولة، يضاف إلى ذلك ما أثير في تقارير أممية حول تحويل مسار الإمدادات، والاستفادة منها خارج أغراضها، إلى جانب استقطاب أفراد خارج الأطر العسكرية المعروفة، وتراكم ثروات لدى بعض القيادات بصورة لا تتسق مع الدخل الرسمي، بهذا المعنى، فإن خطاب (الإصلاح) يبدو أقرب إلى غطاء سياسي، بينما الوقائع تشير إلى بنية نفوذ مغلقة، يصعب معها الحديث عن مؤسسة قومية بالمعايير المعروفة.

4. تتحدث قيادات الدعم السريع في بعض خطاباتها عن سعيها لحماية المدنيين، غير أن هذه السردية تصطدم بوقائع ميدانية مثقلة بالانتهاكات، فقد سجلت منظمة أطباء بلا حدود آلاف حالات العنف الجنسي في دارفور خلال عامي 2024/2025، إلى جانب مئات الحالات في ولاية الجزيرة، بينها عدد كبير من الأطفال وفق تقارير أممية، كما وثّقت الوقائع اقتحام القرى (ومنها ود النورة) ونهب المنازل والأسواق، وإجبار المدنيين على النزوح، واستخدام ممتلكاتهم لأغراض عسكرية، وهي معطيات تطرح تساؤلات جدية حول مصداقية خطاب (حماية المدنيين) في ظل هذا الواقع المؤلم البائس.

5. من المثير للسخرية أن تسعى قوات الدعم السريع لتقديم نفسها كجزء من قوى الثورة وحاملة لمطالب الشارع، بينما ظل الشارع منذ اندلاع الحراك واضحا في توصيفه لها بـ”الجنجويد”، قبل أن يرفع سقف مطالبه إلى الدعوة الصريحة لحلها ويظهر ذلك جليا في شعارات ثورة ديسمبر المجيدة : (العسكر للثكنات والجنجويد ينحل) هذا التناقض يكشف بلا هوادة أو مهادنة أن محاولات إعادة تسويقها لن تفلح وأن ثمة فروقات تشكلت في ضمير المجتمع سيما الثوري منه لا تُمحى بالدعايات، بين خريجي المؤسسة العسكرية السودانية وما تسمى بكلية دقلو أو الخلا.

6. تروج قوات الدعم السريع لخطاب (مواجهة فلول النظام السابق) لكسب التعاطف السياسي والحشد الشعبي، بينما الواقع يكشف عن وجود قيادات الصف الأول من النظام (البائد) ضمن صفوفها، هذه الازدواجية تظهر أن الخطاب الثوري لم يعد سوى وسيلة تعبئة، ولم يعد مجدياً بعد تغير المعطيات، من كان يوصف البعض بالفلول أصبح اليوم حليفاً حقيقياً لهم في ميادين التضحية والفداء، رافضاً الانتهاكات وواقفاً مع كرامة الشعب المكلوم، فبندقية الدعم السريع المدعومة من الدويلة لم تفرّق بين العسكري والمدني فأصبح أعداء الأمس إلى رفقاء في الخنادق والنضال، وصاروا بحق (سنداً مدنياً) و(أهل جلد ورأس) للشعب السوداني المظلوم.

7. من نافلة القول أن مليشيا الدعم السريع تزعم تعرضها لتهديدات وتحركات عدائية من القوات المسلحة بالطلقة الأولى لقواتها في المدينة الرياضية، لكنها تتناسى أولا: أنها كانت في موضع هجوم خلال السنوات الأولى من الحرب على معسكرات ودور الجيش في كافة الولايات وهو موضع استعداد، ثانيا: حتى في الولاية الشمالية (مروي) فقد أُرسلت لها ثلاثمائة عربة قتالية مدججة بالسلاح دون أي إذن رسمي من القيادة العامة، حتى أن المتحدث الرسمي باسم الجيش وقتها، العميد نبيل، قدم مناشدة لها لترك التصرفات المتهورة والتمسك بصوت العقل والأصل بقاء ما كان على ما كان.

 

7. هذه الوقائع يعرفها جيداً محمد أحمد في سوق الخضار وأدروب في جبال التاكا، وما تعنيه من إصرار وترصد وتبييت للنية السيئة، ومن خيانة لرفقاء السلاح، فالأيام تعود بهم إلى طباعهم الأولى، إلى الخيانة، وإن الله لا يصلح عمل المفسدين، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وإن يكونوا خانوا اليوم فقد خانوا البشير من قبل، ومضوا إلى ما هو أبعد من ذلك ألم ترو كيف نكلوا بالشيخ موسى هلال تنكيلا؟ وهو إبن العمومة و (أهل الجلد والرأس) كما في المثل السوداني.

Exit mobile version