الدكتورة شذي الشريف تكتب : في وداع الشيخ الطيب الجد ود بدر

بقلبٍ يعتصره الألم، وروحٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى اليوم قامةً سامقة من قامات العلم والدعوة، ورمزًا من رموز الوطنية الصادقة، الشيخ الطيب الجد ود بدر، الذي رحل تاركًا خلفه إرثًا عظيمًا من القيم والمواقف التي ستظل حيّة في وجدان الأمة، وشاهدًا على زمنٍ عزّ فيه الثبات وكثرت فيه التحديات.
لقد كان الفقيد رجلًا من طينة العظماء، جمع بين صلابة الموقف وصفاء المقصد، فلم يعرف الخوف، ولم ينحنِ لغير الحق، بل ظل شامخًا كالجبل، ثابتًا في وجه العواصف، مدافعًا عن ثوابت الدين، غيورًا على هوية الأمة، واقفًا كالأسد في وجه كل من أراد طمس الدين، وتشويه الهوية، وطمس التاريخ، واستهداف القيم والعادات والتقاليد.
كان الشيخ الطيب الجد ود بدر عالمًا ربانيًا، حافظًا، ذاكرًا، عابدًا، زاهدًا، لا تفتر جوارحه عن الطاعة، ولا يغيب قلبه عن الذكر. جمع بين العلم والتقوى، وبين الورع والعمل، فكان مثالًا للعالِم الذي يعيش قضيته، ويترجم علمه إلى سلوك ومنهاج، قولًا وعملًا، لا يكتفي بالوعظ، بل يغرس المعاني في واقع الناس، ويحيي فيهم روح الالتزام والانتماء.
وعلى مستوى الوطن، لم يكن موقفه عابرًا ولا صوته خافتًا، بل كان حاضرًا بثباتٍ في معركة الكرامة الوطنية، مدافعًا عن السودان، أرضًا وهويةً وسيادة، مؤمنًا بأن الحفاظ على الدولة واجب، وأن صون مؤسساتها—وفي مقدمتها القوات المسلحة—هو صمام الأمان في وجه الفوضى والانهيار. فكان داعمًا، صادقًا، واضح الموقف، لا تأخذه في الحق لومة لائم.
عُرف بكرم خصاله، وسعة صدره، وقربه من الناس، فكان ملاذًا للضعفاء، وسندًا للمحتاجين، وصوتًا للحكمة في أوقات الفتن. لم يكن يومًا معزولًا عن قضايا الناس، بل كان حاضرًا في ميادين الكلمة والموقف، ساعيًا إلى رأب الصدع، وبناء وفاق سياسي واجتماعي يحفظ للبلاد تماسكها، ويصون نسيجها الوطني من التمزق.
كما أطلق العديد من المبادرات الوطنية الجامعة، التي هدفت إلى لمّ الشمل وتوحيد الصف، محذرًا من الانزلاق نحو الفوضى وتآكل القيم، ومنبّهًا إلى خطورة الاستقطاب والانقسام، داعيًا السودانيين إلى التوحد، حمايةً للوطن، وصونًا للعرض، وإعلاءً لمصلحة البلاد فوق كل اعتبار.
لم يكن شيخًا في مسيده فحسب، ولا قارئًا لكتاب الله فقط، بل كان صاحب رسالة، ومجاهدًا بالكلمة والموقف، يحمل همّ الأمة في قلبه، ويؤمن بأن الإصلاح يبدأ من الإنسان، وينتهي ببناء وطنٍ معافى، متماسك، راسخ الجذور.
برحيله، فقدنا رجلًا وطنيًا صادقًا، وصاحب مبادئ راسخة، وعلمًا من أعلام التقوى والورع، لكن عزاءنا أن أثره باقٍ، وسيرته ستظل نبراسًا يهدي الأجيال، ويذكّرهم بأن الرجال مواقف، وأن الأوطان تُبنى بثبات أهلها وصدق نواياهم.
اللهم ارحمه رحمةً واسعة، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجزهِ عن الإسلام والمسلمين، وعن السودان وأهله، خير الجزاء، واربط على قلوب أهله ومحبيه، وألهمهم الصبر والسلوان، واجعل ذكراه نورًا لا ينطفئ، وأثره ممتدًا في الخير ما بقي الزمان.
إنا لله وإنا إليه راجعون

Exit mobile version