حبر من نار –  المعزّ مجذوب خليفة – العنوان عندما يتحدث الوطن… يصمت الحزبيون

 

في لحظة سياسية مشحونة بالتأويلات والاتهامات، جاءت كلمات الفريق أول عبد الفتاح البرهان واضحة لا لبس فيها حين قال: «ما بنعرف إخوان مسلمين ولا مؤتمر وطني ولا شيوعيين… نحن بنعرف الشعب السوداني وبس.».

لم تكن هذه العبارة مجرد جملة عابرة في خطاب سياسي، بل كانت رسالة عميقة في توقيتها ومعناها، رسالة موجهة إلى الداخل قبل الخارج، وإلى القوى السياسية قبل خصوم السودان في الإقليم والعالم.

لقد عانى السودان طويلاً من لعنة الاستقطاب الحزبي الحاد. فكل مرحلة من تاريخنا الحديث كادت تختزل الوطن في حزب، أو الدولة في تنظيم، أو الجيش في أيديولوجيا. وهنا مكمن الخطر الذي ظل يطارد الدولة السودانية لعقود طويلة.

لكن الواقع الذي فرضته الحرب اليوم أعاد ترتيب الأولويات.
فالسؤال لم يعد: من يحكم السودان؟
بل أصبح: كيف نحافظ على السودان أصلاً؟

الحرب التي اندلعت وألقت بظلالها الثقيلة على حياة السودانيين كشفت حقيقة مؤلمة؛ أن البلاد كانت تقف على حافة هشاشة سياسية خطيرة. وحين اشتعلت النيران، لم يسأل الرصاص عن الانتماء الحزبي، ولم تفرق المعاناة بين إسلامي ويساري، ولا بين مؤتمري وشيوعي.

الجميع دفع الثمن…
والشعب وحده ظل يتحمل عبء الوطن.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في لحظة تاريخية كهذه هو محاولة إعادة السودان إلى مربع الصراعات الأيديولوجية الضيقة. فالأوطان لا تُبنى بمنطق الإقصاء، ولا تُدار بعقلية التخوين، ولا تُحمى عبر استدعاء معارك الماضي.

إن الدولة السودانية اليوم تحتاج إلى عقل وطني كبير يتجاوز الحسابات الصغيرة، ويضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات.

فالسودان ليس ملكاً لحزب…
ولا إرثاً لتنظيم…
ولا غنيمة لتيار سياسي.

السودان وطن لملايين البسطاء الذين لا يعرفون دهاليز السياسة، لكنهم يعرفون جيداً معنى الأرض والكرامة والعيش الكريم.

ولذلك فإن الرسالة التي يجب أن تُفهم من هذا التصريح هي أن المرحلة الراهنة تتطلب توحيد الجبهة الوطنية، والالتفاف حول مشروع دولة لا مشروع حزب.

فلا مستقبل للسودان إذا ظل أسير معارك الماضي.
ولا أمل له إذا بقيت القوى السياسية تعيش في ظلال صراعاتها القديمة.

لقد آن الأوان أن يدرك الجميع أن الوطن حين ينادي، يجب أن تتراجع الرايات الحزبية قليلاً…
ليتقدم علم السودان وحده.

فالأحزاب قد تختلف،
والأفكار قد تتصارع،
لكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن:

السودان إن ضاع… فلن يربح أحد.

وهنا تكمن الحكمة في أن تُعاد صياغة المعادلة الوطنية على أساس بسيط وواضح:
الشعب أولاً… السودان أولاً… وما عداهما تفاصيل.

وهذا هو الدرس الأكبر الذي تكتبه هذه الحرب بمدادٍ من الألم…
لكنه في النهاية حبر من نار.

Exit mobile version