بقلم – عبد النبي شاهين – الرياض
في مقالي امس كتبت في هذه الصحيفة تحت عنوان ( ماهي احتمالات التدخل الاوروبي في الحرب ضد ايران ) واليوم اتوجه نحو الضفة العربية الأكثر تضررا من الحرب وهي دول الخليج العربية ، اذ رغم البيانات الشديدة اللهجة التي بدأت تصدرها هذه الدول مؤخرا ازاء الهجمات الايرانية المكثفة عليها والتي بلغت خلال الاسبوع الاول من الحرب حوالي من 2600 ضربة عسكرية تبرأت ايران عن بعضها واتهمت بها دولة الامارات ، الا ان محللين عسكريين يستبعدون انخراطها في أي حرب مباشرة ضد ايران
دول الخليج التي تتحمّل حتى الآن القسط الأكبر من تبعات الهجمات الإيرانية الهادفة إلى توزيع كلفة الحرب، والضغط على واشنطن لوقف هجومها ، تسعى أساسا لتجنب أي حرب واسعة في المنطقة الشديدة الحساسية من ناحية أمن الطاقة العالمي ، فضلا عن ان هذه الدول قد بدأت منذ خمس سنوات في تنفيذ اكبر برامج التحوّل الاقتصادي طموحاً في تاريخها الحديث.
وتقوم استراتيجيات «الرؤية» التي تتبنّاها دول الخليج العربية على استثمار ثروتها الهيدروكربونية، ومكانتها الجيواقتصادية ، واتساع أسواقها المحلية لجذب رؤوس الأموال والكفاءات الأجنبية ، وتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط، ، غير أن هذه الفرضية تعتمد في جوهرها على الاستقرار، الذي اصبح مفقودا الآن ، وهو اهم الأسباب التي جعلتها لا ترغب في أي توترات في محيطها الجغرافي الحيوي
ولعل من دواعي استبعاد دخولها في حرب مباشرة ضد ايران في هذا التوقيت تحديدا هو تجنب تفسير ذلك في العالم الاسلامي وكأنه اصطفاف مع اسرائيل المعتدية ضد دولة مسلمة جارة هي ايران المعتدى عليها ، وهو مأزق اخلاقي وتاريخي لا تستطيع دول الخليج الفكاك منه على المدى المتوسط ، فضلا عن ان مشاركتها في الحرب ضد ايران سوف يزيد من حجم الاستهداف الايراني للبنية الاقتصادية المتمثلة في المنشآت النفطية والموانئ البحرية والمطارات وغيرها من مشاريع التحول الاقتصادي الطموحة لهذه الدول ، الى جانب ضرب بنيتها العسكرية واضعافها وهو هدف جوهري لاسرائيل تريد ان تحققه عن طريق ايران
كما انه لا احد يضمن عدم اصطفاف روسيا والصين وكوريا الشمالية ، ولو سرا الى جانب حليفها ايران ، حيث رشحت حتى الان أنباء غير مؤكدة عن ان هذه الدول تقدم معلومات استخباراتية عن الاهداف الامريكية لإيران ، وفي المقابل على وعلى الصعيد الايراني هناك تماسك الجبهة الداخلية في ايران وعدم اندلاع ثورة داخلية ضد النظام عكس ما كان يتوقعه الرئيس ترامب ونتنياهو، اذ يعتبرها الايرانيون حربا مقدسة دفاعة عن النفس واشعلت فيهم النزعة الوطنية ايا كانت خلافات بعض مكوناتهم من النظام الحاكم
ولعل هناك اسباب اخرى تدعو دول الخليج الى اختيار امتصاص الضربات الايرانية التي لم تنجم عنها حتى الان عن خسائر بشرية ولا مادية تذكر ، والاستمرار في موقفها الدفاعي كخيار اقل كلفة من الناحية الاستراتيجية ، واعتبارها ضريبة لا يمكن تفاديها ، رغم محاولات تل ابيب وواشنطون لجر دول الخليج للدخول الى جانبها في هذه الحرب لتنسحب بعدها واشنطون وتضع دول الخليج في مواجهة مفتوحة مع ايران لاستنزاف الطرفين واضعافهما وهو احد الاهداف الاستراتيجية لواشنطون وتل ابيب
ومن اسباب عدم انخراط دول الخليج في الحرب ضد ايران هو التباين الخليجي المتوقع اذا ما طرح هذا الخيار الصعب وعدم ضمان مشاركة كل دول الخليج ومن المؤكد عدم مشاركة سلطنة عمان وقطر على سبيل المثال رغم تعرض منشآتها النفطية لأضرار ، فقد حذر وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي قائلا : ان إيران ليست الهدف الوحيد.. وهناك خطة أوسع تستهدف المنطقة، والعديد من الجهات الإقليمية مُدركة لذلك، لكنهم يراهنون على أن الانحياز لأمريكا قد يدفعها إلى مراجعة قراراتها وسياساتها
وختاما تحتاج دول الخليج العربية التي تعتبر ضحية حرب لم تكن تريده الى توحيد رؤيتها نحو الحلول المتاحة والتحرك الجماعي لفتح مسارات دبلوماسية لا تستطيع واشنطون وطهران لوحدهما في الوقت الحالي من بلورته ، ومن ذلك على سبيل المثال استعانة دول الخليج ومعها تركيا ومصر بقوى دولية مثل الصين وروسيا وباكستان وحتى الهند لفتح مسارات دبلوماسية تستوعب الغطرسة الأمريكية والكرامة الوطنية الإيرانية والزهو الاسرائيلي المنكسر تحت الضربات الإيرانية الشرسة
كما يظل الخيار الأفضل وفق كثير من الخبراء السياسيين والعسكريين هو هو ما سبق ان عرضة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سابقا عن بناء بناء تكتل دفاعي مشترك ، من الحكمة ان تقوده الآن كل من تركيا وباكستان وتشارك فيه مصر والسعودية والجزائر باعتبارها من اقوى دول المنطقة من الناحية العسكرية، فيما يمكن اعتباره محورا سنيا خالصا وقويا في مواجهة كلا الخطرين الاسرائيلي والايراني في منطقة الشرق الأوسط وتشكيل قوة عسكرية ضاربة على مستوى الاقليم والعالم
انتهى
