ضل التاية – بروفيسور إبراهيم محمد آدم – اللواء قريب الله شنيبو عندما يأخذ الانسان نصيبا من اسمه

في بداية تسعينات القرن الماضي دخلنا بفضل الله جامعة جوبا وقد كانت مثل معظم الجامعات العلمانية في العالم العربي قصد منها الفصل بين الدين والمجتمع على النسق الاوروبي إذ لا تدريس فيها للدين والعقائد وحتى عندما أتت ثورة التعليم العالي بإدخال مادة الثقافة الإسلامية في الجامعات تم استثناء جامعة جوبا من تدريس مادة الثقافة الإسلامية التي تدرس في الجامعات الأخرى لخصوصية جنوب السودان، حتى تم الغاؤها في كثير من الجامعات عقب سقوط الإنقاذ بضغط من التيار العلماني الذي تسيد المشهد حينها، والى جانب ذلك كان يتم تدريس اللغتين العربية و الانجليزية كمطلوبات جامعة وقد طبق هذا على الطلاب الذين كانوا يلونا بسنة واحدة أما نحن فلم نحضر هذا النظام، لسد الفراغ في الثقافة الإسلامية كان البديل بالنسبة لنا هو الانضمام إلى الجمعيات الإسلامية العاملة في وسط مسيحي مثل جمعية علوم القرآن وجمعية الهدى والإرشاد فعلى الطرف الآخر كانت جمعية الكتاب المقدس الخاصة بزملائنا المسيحين واسمها(Juba University Bible Studies Association – JUBSA) تعمل في الجامعة وتضع ملصقاتها وتقيم أنشطتها.
في هذه الأجواء تعرفنا على أعضاء الجمعيات الاسلامية تلك لتكون لنا عاصماً من أجواء النشاط السياسي الذي ينأى في كثير من الأحيان عن الحث على قيم الفضيلة، ويركز على الكسب السياسي، ومن أولئك الذين تعرفنا عليهم في تلك الجمعيات الثقافية الطالب في السنة النهائية بكلية التربية قريب الله أحمد حسن علي شنيبو ،وقد كان يحمل كثيراً من سمات اسمه في التقرب الى الله، فهو القادم من الجزيرة اسلانج التابعة لمنطقة شمال أم درمان العامرة بنشاط ديني كثيف يرتكز على الخلاوي، وحلقات الذكر التي تعقد بانتظام في مساجد وخلاوي المنطقة حيث تقوم الخلاوي بدور اجتماعي من خلال تقديم الطعام والخدمات للزوار وطلاب العلم ولذلك آثر مواصلة ذات الرسالة هنا في الجامعة. فقد كانت الأنشطة التي تقيمها تلك الجمعيات تركز على النشاط الثقافي خاصة الديني منه عندما كنا نقوم بمناقشة الكتب التي نقرأها فيما يشبه ليالى السمر في فناءات أرض المعسكرات بالخرطوم حيث داخلية الجامعة، وقد امتدت إلى أماكن أخرى مثل دار تحفيظ القرآن الكريم في شمبات حيث اكملنا حفظ سور الكهف والأنفال وبراءة وسور أخريات، وقد مثلت إضافة جيدة لما حفظنا في الثانوي مثل سورتي النور والحجرات،وما كنا نحفظ من أجزاء باجتهاد منا. كانت سورة النور تركز على تنشئة الأطفال والشباب في آداب التعايش الأسري والاستئذان للكبار في دخول البيوت ومحاربة الزنى، والدعوة إلى زواج الأيامي فكان ذلك بالنسبة لنا فقهاً ضرورياً نحن معشر الشباب.بينما الأنفال والتوبة عمقت لنا معاني الحكم والمعاملات والجهاد.
كما أن الأساتذة الذين كانوا يدرسوننا تم ادخالهم في معهد الخرطوم الدولي للغة العربية للناطقين بغيرها حتى يتعلموا اللغة العربية، ربما ليس لتدريسنا بها فهذا مستحيل، ولكن فقط من باب الالمام بالشيء خير من الجهل به، ونفس الأمر قد طبق على الجامعتين الجنوبيتين اللتين انشئتا لاحقاً وهما بحر الغزال وأعالي النيل لتكتمل أضلاع مثلث التعليم العالي في الجنوب بولاياته الثلاث حينها الاستوائية وبحر الغزال وأعالي النيل .
بعد تخرجنا وتفرقنا في دروب الحياة ظلت صلاتنا بإولئك الإخوة ممتدة فعلاقات الأصدقاء الذين نلتقيهم في دروب الدراسة في مراحل التعليم العام والجامعي تظل دوماً أنقى وأبقى وأنبل من أي علاقات لاحقة تعمقها وتفرقها غالباً المصالح الدنيوية الزائلة، ومن أولئك الذين ظل تواصلنا معهم قائماً حتى رحيله اللواء الراحل قريب الله الذي التحق فور تخرجه بقوات الشرطة وتنقل في اقسامها لسنين عدداً وقد ظل منزله في آخر سنيه في مدينة دنقلا ملاذاً لكثيرين ورغم أنني اتخذ من منزل الأخ الدكتور أبو بكر ضرار نزلاً لي في أي زيارة إلى دنقلا إلا إنني أتواصل معه فور حضوري وقد كانت آخر زيارة لي إلى هناك أن تواصلت معه طالباً أن يرافقني شخصاً بعربتي في رحلتي إلى أم درمان فقد كنت وحيداً وبحاجة الى تطبيق سنة المرافقة.
وقد كان مصابي عظيماً عندما علمت بخبر وفاته أثر حادث سير مقدر على طريق بين دنقلا -اوربي فقد كان عائداً من حضور عزاء شقيقه. أن الاخ اللواء قريب الله شنيبو يصعب الحديث عنه أو الكتابة عنه فقد كان خلوقاً كريماً وشهماً، وخير من كتب عنه كان الصحفي عثمان محجوب الذي عدد مناقبه وأناب عنا في ذكر كثير من خصاله الطيبة، أما اللواء حسن سليمان حسن فقد قال إن علاقته به امتدت لخمس وثلاثين عاماً، منذ تخرجه في كلية الشرطة في بداية تسعينيات القرن الماضي بعد أن تخرج في قسم الكيمياء بكلية التربية بجامعة جوبا حيث عمل أولاً في المعمل المركزي للجمارك في بورتسودان ثم تحول الى استخبارات الجمارك والتي أبلى فيها بلاءاً حسناً وكان شريفاً وصادقاً وعفيفاً ومحبوباً وسط قواته.
كان منزله مفتوحاً لكل الاخوة الذين يتم نقلهم إلى مدينة دنقلا ، كان رجلاً صنديداً واضحاً وظل دوماً في الصفوف الامامية عند كل هيعة. عمل في محطات الجمارك المختلفة الى رتبة العقيد ثم عاد الى الشرطة العامة حيث عمل لعامين بولاية النيل الأزرق وكان سجله صافياً في العمل الإداري والاجتماعي، ثم تم نقله الى شرطة المحاكم وادار مهامه أيضاً بقوة واقتدار حتى تمت ترقيته الى رتبة العميد فتم نقله الى رئاسة شرطة الولاية الشمالية ثم محلية وادي حلفا والتي أرسى فيها معالم العمل الشرطي والجنائي والاستخباري ثم نقل الى محلية مروى ثم الى محلية دنقلا أكبر المحليات بالولاية الشمالية حيث أدار شرطة المحلية بخبرات راسخة وبعدها نقل مديراً لادارة الجنايات بشرطة الولاية الشمالية وحسب اقدميته تم اختياره مديراً للشئون العامة برئاسة قوات الشرطة وبالولاية الشمالية فقضى فيها عاماً حتى إحالته للتقاعد بالمعاش.
في هذه الفترة حصل على الماجستير وكان على مشارف مناقشة الدكتورة عند إحالته إلى التقاعد وانخراطه فوراً في المقاومة الشعبية بالولاية الشمالية، فقد كان شعاره {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} ذلك لأنه مؤمن لا يعرف الفراغ؛ و فور انتهاء تكليفه الرسمي في الشرطة في اطار أعماله الدنيوية، واصل في الاجتهاد في العبادة من خلال هذا الدرب الجديد المكلل بالتعب في الطاعة (النصب)، وإخلاص الرغبة والطلب إلى الله وحده فهذا ديدنه، وقد كان التشييع في دنقلا كبيراً بدءاً من وصول الجثمان إلى مستشفى الشرطة ثم ذلك الحضور الكبير لقوات الجمارك في دنقلا وام درمان والجزيرة اسلانج خلال مراسم العزاء.
وقد ابرز ذلك حبه لدنقلا التي عمل فيها على كل الاصعدة خاصة مع المستنفرين في معركة الكرامة والآن تفتقده الجزيرة اسلانج مسقط رأسه والولاية الشمالية وكل الولايات التي عمل فيها وعموم السودان وكل هذا القليل قيض من فيض سيرته العطرة ونسال ان يجعل ذلك في ميزان حسناته وان يجعل روحه في حواصل طير خضر عند مليك مقتدر فهذا التدافع الكبير في التشييع في دنقلا الجزيرة اسلانج كان ايضا استفتاء حول مكانته في الدنيا وفي الاخرة بإذن الله، وختامًا ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَام(58).

Exit mobile version