النهود عامٌ من الوجع والحزن

الحاكم نيوز :

كلام سياسة الصافي سالم

في مثل هذا اليوم يمضي عامٌ كامل على سقوط مدينة النهود عامٌ ثقيلٌ كأن أيامه لم تمر، بل تراكمت فوق صدور أهلها حزناً وغصةً لا تنقضي. الأول من مايو لم يعد مجرد تاريخٍ في الذاكرة، بل صار جرحاً مفتوحاً يذكّرنا بعامٍ من الألم والحزن، عامٍ سُرقت فيه الطمأنينة من بيوتٍ كانت عامرة بالعلم والعلماء، وبالخير الذي عمّ البلاد.

النهود، تلك المدينة التي عُرفت بالصادرات الزراعية، والصمغ العربي، والثروة الحيوانية، لم تكن يوماً مجرد جغرافيا، بل كانت روحاً نابضةً بالعطاء. كانت ملتقى الناس، وموئل الكرامة، ومصدراً للرزق الذي يغذي الوطن. واليوم، يمضي عامٌ وأهلها بين نازحٍ ومشرّد، بين من يحمل مفاتيح بيته في جيبه أملاً في العودة، ومن ترك خلفه كل شيءٍ هرباً من ويلات الحرب.في أرض النهود الطاهرة يرقد الشهداء، أولئك الذين خطّوا بدمائهم صفحاتٍ من الفداء. وآخرهم شهيد الوطن الأمير عبد القادر منعم منصور، الذي مضى واقفاً في وجه المحنة، شاهداً على أن هذه الأرض لا تنكسر، وأن أهلها مهما طال الغياب سيعودون. دماء الشهداء لم تكن نهاية الحكاية، بل بداية عهدٍ من الوفاء والعهد الذي لا يخون.

عامٌ مضى ووجع البعد عن الديار يثقل القلوب. ما أقسى أن تُقتلع من أرضك، أن تترك خلفك جدراناً تحفظ ضحكاتك، وطرقاً تعرف خطواتك، وأهلاً تفرّقت بهم السبل. ما أقسى أن يصبح الوطن ذكرى، وأن يتحول اللقاء إلى حلمٍ مؤجل. أكثر من نصف سكان النهود اليوم بين نازحٍ ولاجئ، تتقاذفهم الطرق، ويحتضنون الأمل رغم قسوة الواقع.لكن النهود ليست مدينةً تُنسى، ولا قضيةً تُطوى. إنها عهدٌ في أعناق أبنائها، ونداءٌ لا يخفت مهما طال الصمت. دعوتنا اليوم صادقة، من القلب إلى القلب، لأبناء الدار: أن يلتفوا حول القوات المسلحة، وأن يوحّدوا الصفوف، وأن يُعدّوا العدة لتحرير الأرض وصون العرض. فالأوطان لا تُسترد إلا بسواعد أبنائها، ولا تُحفظ إلا بوحدتهم وإيمانهم.لن يطول الليل هكذا علمتنا النهود. ومهما اشتد الظلام، فإن الفجر قادم، وسيعود أهلها إليها، يحملون معهم الحكايات والدموع، ويزرعون من جديد حقول الأمل. ستنهض النهود، كما كانت دائماً، مدينةً للعلم والعطاء لأن المدن العظيمة لا تموت، بل تنتظر أبناءها ليعيدوا لها الحياة.

Exit mobile version