الصندوق القومي للتأمين الصحي الاتحادي… ثلاث سنوات من الصمود في زمن الانكسار

بقلم :
المعز مجذوب خليفة

حين تتعرض الدول لعواصف الأزمات والحروب، تتهاوى كثير من المؤسسات تحت وطأة الضغط، ويصيب الشلل قطاعات كانت بالأمس القريب تمثل صمام أمان للمجتمع. غير أن بعض المؤسسات، حين تقاد بعقلٍ راشد وإرادةٍ وطنية صلبة، تتحول من مجرد مرفق خدمي إلى قلعة صمود، ومن جهاز إداري إلى رسالة إنسانية تحمل همّ الوطن والمواطن.

وهذا ما تجلى بوضوح في تجربة الصندوق القومي للتأمين الصحي الاتحادي خلال السنوات الثلاث الماضية؛ سنوات لم تكن عادية في تاريخ البلاد، بل كانت من أعقد الفترات التي مر بها السودان، حيث الحرب والنزوح وانقطاع الخدمات وتداعي البنية التحتية في كثير من المناطق.

ومع ذلك، ظل الصندوق القومي للتأمين الصحي الاتحادي واقفًا على قدميه، يؤدي رسالته في حماية صحة المواطنين، خاصة الفئات الضعيفة التي كانت ستكون أول ضحايا الانهيار الصحي لولا وجود هذه المؤسسة الوطنية الراسخة.

لقد كان التحدي كبيرًا، ولكن الإرادة كانت أكبر.
فالخدمات الصحية لم تتوقف، وبرامج التأمين لم تتعطل، بل ظل الصندوق حاضرًا في الولايات والمجتمعات، يقدم العلاج والدعم والرعاية في وقتٍ كانت فيه مؤسسات كثيرة تعيد حساباتها أو تتراجع تحت ضغط الظروف.

ولا يمكن قراءة هذه التجربة دون التوقف عند القيادة التي أدارت هذا الملف الحساس خلال هذه المرحلة الدقيقة، ممثلة في المدير العام فاروق عمر نوالدائم، الذي برز كواحد من الكوادر الوطنية الشابة التي أثبتت أن القيادة ليست مجرد منصب، بل رؤية وقدرة على اتخاذ القرار في أصعب اللحظات.

فالرجل، ومعه فريقه العامل في الصندوق، قدموا نموذجًا في الإدارة المسؤولة التي تمزج بين المهنية والالتزام الوطني. استطاعوا الحفاظ على استمرارية الخدمة، وتجاوز الكثير من العقبات الإدارية واللوجستية، بل والعمل على توسيع مظلة التأمين الصحي في بعض المناطق رغم الظروف الاستثنائية.

وهذا الإنجاز، في تقديرنا، ليس نجاحًا إداريًا فحسب، بل رسالة واضحة بأن المؤسسات الوطنية حين تتوفر لها القيادة الرشيدة والإرادة الصادقة، فإنها قادرة على العبور بالبلاد من عنق الزجاجة.

إن ما قدمه الصندوق القومي للتأمين الصحي الاتحادي خلال هذه السنوات الثلاث يجب أن يُقرأ في سياق التضحيات الكبيرة التي بذلها العاملون في القطاع الصحي عمومًا، والذين ظلوا في خطوط المواجهة الأولى مع المرض والحرب والظروف القاسية.

ومن هنا، فإن الواجب الوطني يقتضي أن تحظى هذه التجربة بالدعم والتعزيز، لا سيما وأن التأمين الصحي لم يعد رفاهية اجتماعية، بل أصبح أحد أهم ركائز الاستقرار المجتمعي والعدالة الصحية.

إن تجربة الصندوق اليوم تقول بوضوح:
رغم الجراح التي أصابت الوطن، لا تزال هناك مؤسسات تقاتل بصمت من أجل بقاء الحياة ممكنة.

وهنا تكمن قيمة العمل الوطني الحقيقي…
العمل الذي لا يُقاس بالضجيج، بل بالأثر.

وما بين صمود المؤسسة وإخلاص العاملين فيها، تتجدد الثقة بأن السودان، مهما اشتدت عليه المحن، سيظل قادرًا على النهوض من جديد.

وهذا… حبرٌ من نار

Exit mobile version