
كلام سياسةالصافي سالم
يمضي رمضان سريعًا كأنه ومضة نورٍ في ليلٍ طويل ما إن نعتاد دفئه حتى نجد أنفسنا على أعتاب أيامه المباركة الأخيرة. ها نحن اليوم نقف في عشرةِ المغفرة، تلك الأيام التي تفتح فيها أبواب الرحمة على مصراعيها، وتُمدّ فيها الأيادي بالعفو، ويُكتب فيها للقلوب ميلادٌ جديد.
عشرةُ المغفرة ليست مجرد أيامٍ تمضي في التقويم، بل هي محطةُ مراجعة، وفرصةُ صدق، ونداءٌ ربانيٌّ يقول لنا: عودوا إليّ، فبابي لا يُغلق، وفضلي لا ينفد، ورحمتي تسبق غضبي.في هذه الأيام، يلين القلب بعد قسوته، وتخشع الروح بعد غفلتها، وتفيض العين شوقًا إلى رضا الله. نقف بين يديه متجردين من أثقال الذنوب، نحمل في صدورنا رجاءً عظيمًا:اللهم اغفر لنا، وامحُ عنا ما كان، واكتبنا من المقبولين.رمضان يمضي كالبرق، لكن آثاره لا ينبغي أن تمضي. تمضي الليالي، وتُطوى الصفحات، ويبقى السؤال: ماذا زرعنا فيها؟ أكان نصيبنا منها دمعةَ توبة أم ركعةَ خضوع أم دعوةً صادقة في جوف الليل نحن اليوم مقبلون على أيام العتق من النار، الأيام التي تتنزل فيها الرحمة، وتُكتب فيها النجاة، ويُنادى فيها: هل من مستغفر فأغفر له هل من داعٍ فأستجيب له
فيا لها من فرصة، ويا له من كرم، ويا لها من نعمة لا تُقدّر بثمن.وفي هذه الليالي المباركة، لا ننسى أوطاننا الجريحة، ولا أهلنا الذين يئنّون تحت وطأة الألم. نرفع أكفّ الضراعة وقلوبنا معلّقة بالسماء:اللهم احفظ السودان، واحفظ أمنه واستقراره، واجمع شمله، وألّف بين قلوب أبنائه.
اللهم احفظ المنطقة العربية والإسلامية، وادفع عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن.اللهم احقن دماء المسلمين، وارفع عنهم البلاء، واكتب لهم الأمن والطمأنينة والسلام.
عشرةُ المغفرة تذكّرنا أن الله لا يردّ من قصده، ولا يخيّب من رجاه، ولا يضيع من أقبل عليه صادقًا. فمن وجد الله، فماذا فقد ومن فقد الله، فماذا وجد
فلنغتنم ما بقي من رمضان، ولنملأه بطاعةٍ وذكرٍ ودعاء ولنُحيي لياليه بقلوبٍ خاشعة، وأرواحٍ متعلّقة برحمة ربها.اللهم اعتق رقابنا من النار، واكتبنا من عتقائك، واجعل آخر هذا الشهر مغفرةً لنا، وبدايةً لطريقٍ جديد من الطاعة والثبات.رمضان يمضي لكن باب السماء ما زال مفتوحًا،فادخلوه بدعائكم،قبل أن يُطوى الشهر، وتُرفع الصحف.



