بقلم : بروفيسور ابراهيم محمد آدم
استناداً على الأدبيات التي سبقت الإشارة إليها في المقال السابق فإن دعاوى التهميش في السودان قضية تاريخية ومعقدة ترتبط بتوزيع الموارد والسلطة بين المركز المدعى والأطراف، وتتجلى في صراعات مناطقية مسلحة كما في جنوب السودان سابقاً ثم كردفان وجنوب النيل الأزرق ودارفور، وبعد اندلاع حرب 15 ابريل 2023م تبنت مليشيا الدعم السريع ذات الادعاءات والسرديات بإنها تحارب دولة 1956م التي كانت سبباً في مزاعم التهميش، رغم أنها كانت عند تأسيسها كقوة تستند إلى قانون من ذات الدولة تم الغاءه عقب تمردها وإعادة كل الضباط المنتدبين من القوات النظامية إلي وحداتهم السابقة ، لقد كانت تلك القوات في أول أمرها أحد أذرع الدولة للقضاء على النزاعات المسلحة الناتجة عن تلك الادعاءات، مما جعل عدوها السابق وحليفها الجديد عبد العزيز الحلو يقول أن الرفيق حميدتي قد ساعدنا في القضاء المركز، كما تحالف معها بعض السياسين لأنهم يرون أنها تحقق هدفهم في الوصول إلى السلطة فطفقوا يرددون سردية من أطلق الرصاصة الأولى ليقولوا إن الجيش هو من بدأ ذلك في المدينة الرياضية صباح 15 ابريل 2023م ويحاولون صرف الأنظار عن مهاجمة الجنجويد لقاعدة ومطار مروي في 13 ابريل من ذات العام ومنا سماعون لهم. ثم يشغلون الرأي العام عن كل فظائع الجنجويد بأنهم من رحم الانقاذ ، نعم أنهم من رحمها وصلبها ورضاعتها ولكن كل ذاك لا يبرر ما يرتكبون من جرائم غير مسبوقة الآن.
تقول تلك السرديات إن سكان هاتيك المناطق يشعرون بتجاهل احتياجاتهم وتهميشهم سياسياً واقتصادياً،فالتهميش الاقتصادي بحسب ما هو مرسوم له من معاني يعني حرمان المناطق المشار إليها من الاستفادة من مواردها (كالذهب والزراعة والبترول وغيرها)، وتركيز التنمية في المركز، بغرض خلق فجوات تنموية كبيرة، بينما يقولون عن التهميش السياسي أنه متمثل في شعور تلك المناطق بتغييبها عن مراكز صنع القرار، وقلة تمثيلها في العملية السياسية في المركز المتهم، وعدم تحقيق مطالبها في بناء سودان جديد قائم على العدالة والمساواة، بينما يؤكد البعض أن التهميش يشمل حتى المناطق الشمالية التي تدعي بعض الأطراف أن النخب الحاكمة قد جاءت منها وذاك خطاب متناقض مريب، ومعلوم إن هذه القضايا قد تفاقمت بسبب التدخلات الخارجية من قبل قوى خارجية ومنها الدول الاوروبية الطامعة في خيرات السودان المفتت ببرامج الفوضى الخلاقة وكذلك وكلاء اوروبا وامريكا واسرائيل في المنطقة ومن بينهم دولة الأمارات التي تدعم حركات انفصالية لتقسيم السودان لخدمة مصالحها الاستراتيجية ومنها الحصول على الموانيء والموارد، مما يزيد من تعقيد الأزمة ويدعم خطاب الكراهية من أجل المزيد من الانقسامات وسط مكونات الشعب السوداني واتجاهاته الجغرافية التي كانت تعيش في سلام .
إن خطورة ذلك الخطاب الذي قسم المجتمع السوداني إلى مركز وهامش وجعل المركز هو الخرطوم والمناطق المتاخمة ضد كل اطراف السودان الأخرى تكمن في قدرته على تأجيج الصراعات الاجتماعية الأهلية والسياسية وتعميق الانقسام داخل المجتمع والدولة السودانية.
إن التمرد الجديد قد رد أسباب الإخفاقات والفشل إلى عجز التأسيس عقب الاستقلال حيث غلبت عليه السياسة وخصومات النخب، ومن بينها التخلي عن خيار الفيدرالية، الذي وعدوا به الصفوة الجنوبية قبيل الاستقلال، ثم تم النكوص عنه ربما لغرابة الفكرة وعدم شيوعها في بلاد اخرى أوانذاك، رغم أن آباء الاستقلال في أفريقيا تجاوزا هذه المعضلة عندما تواضعوا عند تأسيس منظمة الوحدة الافريقية في ستينيات القرن الماضي وقبل حصول العديد من الدول الافريقية على استقلالها، باحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار ولم يتم تجاوز وخرق هذا الالتزام إلا حين سمحوا بانفصال ارتريا في العام 1955م ثم جنوب السودان في العام 2011م رغم الاختلاف الكبير بين المثالين، وهناك أقاليم افريقية أخرى في الطريق.
ولشرح جدوى الحرب كان خطاب التمرد يستعيد المقولات القديمة المتعلقة بالتهميش وبسيطرة نخبة معينة من ابناء المناطق التي سبقت الاشارة اليها على خيرات السودان بغير وجه حق. وقد كان هذا الخطاب غير واقعي وتكذبه النظرة الفاحصة،ولكنه يميل إلى البعد عن الأسباب الموضوعية للمشكلة، والتي أشرنا الى دور الاستعمار فيها وكذلك خريطة السلطة والثروة في البلاد التي تجعل مناطق داخل ولاية الخرطوم نفسها ومنها على سبيل المثال العديد من أحياء أم درمان القديمة عدا تلك التي خططها على عجل مستر برمبل محافظ أم درمان أيام الاحتلال الانجليزي ينطبق عليها الوصف الملغوم للتهميش، وبالكاد لا تجد حياً من أحياء الخرطوم الراقية إلا ويجاوره حياً عشوائياً .
هذه الادعاءات المليئة بالحقد أو الكراهية كافية لتحويل ادعاءات التهميش لقنبلة اجتماعية، عبر خلق أعداد كبيرة من المتحمسين المتقبلين لفكرة القتل والتنكيل على الهوية بعد اقتناعهم بأن هذا الآخر ليس بريئاً، وقد حدث هذا منذ تمرد توريت والمدن الأخرى في جنوب السودان عام 1955م، واستمر حتى عقب حرب الجنوب الثانية والتي بدأت في العام 1983م وازدادت فشملت أرجاء عديدة من السودان منها تلك المناطق التي كانت تسمى بالمناطق المغلقة بل وحتى مدناً وقرى أخرى في شرق السودان بما فيها مدينة كسلا .
ذلك لأن العقليات المخاطبة بهذه الدعاية المدمرة كانت بسيطة وفي الغالب من ابناء ذات المناطق المسماة مهمشة لدرجة أنها لم تكن تحتاج لأي تفصيل، ولكنها لا تعرف في الغالب مآلات المستقبل عندما تنتهي الحرب، ففي احدى مقابلاتي في نيروبي مع امرأة كانت من فرق وضع الالغام سألتها ان كانت لديهم خارطة بها فقالت لي بكل بساطة ( نينا بس نكتو في سكة بتا مندكورات) يعني نحن نضعها فقط في الطريق الذي يسير عليه الشماليون وهي تقصد القوات المسلحة السودانية المشكلة من كل أبناء السودان بمن فيهم الجنوبيون، فلاحظ هنا الفرضيات المخلة المبسطة في الوصفين .
أما في حرب ابريل فكانت هناك فرية الفلول التي اطلقت على كل صاحب كسب شريف في داخل البلاد أو مغترباً خارجها وقد اقتني عربة أو بيتاً أو مالاً وهم من الذين لم يكونوا بأي حال جزءاً من الحكومة أو من الأنظمة السياسية المتعاقبة بتكويناتها المختلفة. ولكسب تعاطف ورضى الغرب ووكلائه الاقليميين الذين يذكون نيران الحرب للحصول على خيرات السودان، جاء الخطاب الموجه للخارج متحدثاً عن تحقيق التحول الديمقراطي ومحاربة الإسلام السياسي والانتقال إلى دولة علمانية، وهذه كلها مفاهيم ثقيلة وصعبة على عامة المخاطبين العاديين وإن بدت مفهومة للسياسين المشاركين للتمرد تحت واجهات مختلفة.
وفي الداخل خاطبت هذه الفئة المجموعات والمكونات المقصودة بغية دغدغة مشاعرها بهدف الوصول إلى السلطة وإلى قلب دائرة الحدث السياسي.ولاخراج المجموعات غير المرغوب فيها من مواطنها في كل السودان ودفعها للجوء الى الخارج تعمدوا الإذلال والتنكيل والتلذذ بتصوير عذابات الناس وإطلاق تلك المقاطع في الفضاء الاسفيري لإخافة كل من لم يحدث له ذلك فيفر للنجاة بحياته تاركاً خلفه كل ما جمعه من أصول ومنقولات فتم احتلال البيوت من قبل وافدين من شتى أقطار غرب أفريقيا.
نعم كان تهجير الناس من مناطقهم هدفاً في حد ذاته، فقد تم ضرب المنشآت وتعطيل محطات المياه والكهرباء كما تم اللجوء إلى القصف العشوائي، حتى للمدن التي لم يصلها التمرد بما فيها العاصمة الادارية بورتسودان وقد تفاجأ جميع السكان بتلك التصرفات وقد كانت في مخيلتهم أحداثاً مرت سريعة مثل تبعات مقتل جون قرنق أو دخول حركة خليل إبراهيم إلى أم درمان.
