حين تكتشف «الدويلة الوظيفية» أن حبال النجاة تُقطع من حولها واحدًا تلو الآخر
ندرك أننا لم نعد أمام خلافات تكتيكية عابرة، ولا تنافس بين عاصمتين خليجيتين، بل أمام تحوّل بنيوي عميق يعيد رسم خريطة الإقليم.
ما يجري في الوقت الحالي هو عودة الدولة المركزية بكل ثقلها، في مواجهة مشروعٍ قام أصلًا على تفكيك الدول وتحويلها إلى ساحات نفوذ مفتوحة.
لسنوات، اشتغل النموذج الإماراتي بهدوء على
نفوذ بلا جيوش نظامية،
سلطة بلا مسؤولية سيادية،
قوة تُدار عبر الوكلاء لا المؤسسات.
نموذج سريع الربح… سريع الانهيار عند أول اختبار دولة حقيقية.
أولًا: اليمن
ما حدث في حضرموت والمهرة لم يكن حادثًا عابرًا بل نقطة كسر تاريخية.
للمرة الأولى، تقول الرياض علنًا:
> هذا النفوذ لم يعد حليفًا… بل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي.
ضرب شحنة السلاح، ثم الانسحاب الإماراتي المتعجل، لم يكونا تصعيدًا عسكريًا فقط، بل إعلان نهاية مرحلة:
دولة داخل الدولة، جيشًا داخل الجيش، موانئ خارج السيادة
وفي السودان سقط القناع نهائياً خرجت الفضيحة من الغرف المغلقة ولم يعد دعم مليشيا آل دقلو مجرد اتهام سياسي، بل حقيقة موثقة:
طائرات ، مرتزقة ، مسارات قواعد لوجستية عابرة للحدود
في المقابل، قالت السعودية كلمتها بوضوح نعترف
بالدولة الشرعية بالجيش الوطني، بوحدة التراب، وإنهاء الحرب.
وهنا لم يعد الخلاف اختلاف مقاربات، بل صدام أخلاقي–سيادي: مرتبط بأمن المنطقة
ثالثًا: البحر الأحمر والقرن الإفريقي … معركة الموانئ
من عدن إلى بربرة ، من بوصاصو إلى سواكن ، يتكرر النمط ذاته:
> موانئ → مليشيات → انفصال → نفوذ سياسي
لكن الجديد اليوم هو كسر الطوق:
الصومال ألغت اتفاقيات الدفاع مع الإمارات
والأهم:
تنسيق سعودي–مصري–تركي–باكستاني يتشكّل بلا ضجيج.
رابعًا: التحالفات الجديدة …
اتفاقية الدفاع القطرية الباكستانية و السعودية–الباكستانية ليست تفصيلًا عابرًا، بل رسالة ردع واضحة :
عمق استراتيجي غير معلنة، شراكات صناعية، تحرر نسبي من الهيمنة الأمريكية المباشرة
ومع اقتراب تركيا، وصمت مصر المحسوب، يتشكل حلف إقليمي غير مُعلن يقوم على
الدفاع الجوي
الصناعات العسكرية
أمن البحر الأحمر
و في المقابل، هرعت الإمارات شرقًا… إلى الهند.
لا من موقع قوة، بل من موقع البحث عن مظلة.
زيارة محمد بن زايد لنيودلهي لم تكن تحالفًا استراتيجيًا، بل صرخة استغاثة مغلفة بالدبلوماسية:
صفقات غاز = تجارة
مذكرات نوايا = بلا التزام
استثمارات = هروب من الصراع
والمفارقة القاسية أن الهند نفسها قالت بوضوح:
> تعاوننا الدفاعي لا يعني الانخراط في نزاعات المنطقة.
خامساً
المملكة العربية السعودية تلعب لعبة الكبار:
لا تصطف
لا ترتهن
تنفتح على واشنطن وبكين معًا
وهذا تحديدًا ما لا يناسب نموذج الدولة الوظيفية
التي تعيش على: الوساطة… الخدمات… العمل بالوكالة.
السؤال الجوهري؟
لماذا يُضرب المشروع الإماراتي الآن؟
لأن البيئة تغيّرت:
الدول المنهكة تستعيد توازنها
المليشيات تحولت من أصل إلى عبء
التفكيك لم يعد طريقًا للسيطرة
*السيناريوهات المحتملة*
السيناريو الأسوأ لأبوظبي:
عزلة إقليمية، فقدان النفوذ، تصبح دولة تجارية بلا وزن سياسي.
السيناريو الأفضل لدويلة :
ان تقوم بمراجعة شاملة، تراجع ذكي، شراكات حقيقية مع الدول
السيناريو الكارثي للجميع:
تصعيد غير محسوب صدام خليجي تحقيق الحلم الإسرائيلي بتفكيك الإقليم.
*الخلاصة*
الدول التي تبني نفوذها على تفكيك جيرانها…
تنسى حقيقة واحدة:
> ما يُبنى على الفوضى… لا يبقى إلا بقدر عمر الفوضى.
واليوم، الفوضى تنتهي.
والدول الحقيقية تستيقظ.
أما الدول الوظيفية…
فإما أن تتغير…
أو تختفي.
والسؤال الحقيقي الذي دخل به الشرق الأوسط 2026:
من يبني دولًا… ومن يراكم أنقاضًا؟
والإجابة باتت أوضح من أي وقت مضى.
