أخر الأخبار

القضية العفرية بين العدالة الوطنية والتحديات الإقليمية

د. مالك الساحلي

في ظل التحولات المتسارعة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يسود قلقًا مشروعًا داخل الأوساط الوطنية الإريترية. هذا القلق لا ينبع من التشكيك في عدالة المظالم التي يعانيها العفر، ولا من إنكار حجم التهميش والانتهاكات التي تعرضوا لها عبر عقود، بل من الخشية من انزلاق القضية من إطارها الوطني الطبيعي إلى مسارات توظيف إقليمي ودولي لا تخدم أصحابها على المدى البعيد.
تسعى بعض التنظيمات العفرية في إريتريا إلى دراسة خيارات متعددة لمواجهة التحديات المستمرة التي تواجهها، بما في ذلك البحث عن إمكانيات التواصل مع أطراف دولية، بما فيها إسرائيل، للحصول على مشورة أو دعم محتمل على المستوى السياسي أو الأمني. وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود العفر لاستكشاف مسارات استراتيجية تمكنهم من حماية حقوقهم ومصالحهم، وربط قضيتهم بأبعاد إقليمية تتعلق بالأمن في البحر الأحمر والمنطقة، مع التأكيد على أن هذه الاستكشافات لا تتضمن حتى الآن أي لقاءات أو اتفاقات رسمية مثبتة، وإنما تبقى ضمن نطاق البحث والدراسة.
لا جدال في أن النظام الإريتري يتحمل مسؤولية مباشرة عن السياسات التي همّشت مناطق العفر، وصادرت حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وضيّقت على أنماط عيشهم التقليدية. غير أن تحويل هذه المظالم إلى مدخل لتحالفات خارجية، خاصة مع قوى ذات أجندات أمنية صلبة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها تعميق عزلة العفر سياسيًا، وتوفير ذريعة إضافية للنظام لتكريس خطابه القائم على “الاستهداف الخارجي” وتبرير المزيد من القمع.
يُستحضر الاعتراف الإسرائيلي بصومالي- لاند اليوم بوصفه نموذجًا مُلهمًا لبعض الأصوات العفرية، لكن هذا الاستحضار يتجاهل الفوارق الجوهرية بين السياقين. فقرار الاعتراف تحكمه حسابات إسرائيلية تتعلق بالأمن البحري، والصراع مع إيران، وإعادة ترتيب النفوذ في البحر الأحمر، وليس التزامًا مبدئيًا بدعم حق تقرير المصير أو إنصاف القضايا العادلة. ومن الخطأ السياسي افتراض أن هذا النموذج قابل للتكرار في الحالة الإريترية دون أثمان باهظة.
الأكثر إثارة للقلق هو التحول الملحوظ في خطاب بعض التنظيمات العفرية، حيث يبتعد تدريجيًا عن الإطار الوطني الجامع، ويتجه نحو سرديات إثنية منفصلة. هذا المسار، بدل أن يعزز موقع العفر في معادلة التغيير، يضعف قدرتهم على بناء تحالفات وطنية واسعة، ويجعلهم عرضة للانفراد السياسي والأمني، سواء من قبل النظام أو من قبل قوى إقليمية تبحث عن أدوات نفوذ محلية تخدم مصالحها الخاصة.
إن الحديث عن كيان عفري مستقل، على غرار صومالي-لاند ، يبدو في هذه المرحلة أقرب إلى تصور نظري منه إلى مشروع سياسي واقعي. فمستقبل إريتريا لا يمكن أن يُبنى عبر تفكيكها إلى كيانات إثنية متجاورة، بل عبر عقد وطني جديد يعالج جذور التهميش والظلم، ويعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف على أسس اللامركزية السياسية (الفيدرالية)
من منظور وطني معارض، تبقى أولوية العفر – كما بقية مكونات المجتمع الإريتري – هي الانخراط في مشروع تغيير وطني جامع، لا البحث عن مظلات حماية مؤقتة في ظل صراعات إقليمية معقدة. فالرهان على دعم خارجي مشروط، خصوصًا من أطراف لها تاريخ طويل في توظيف الانقسامات، رهان محفوف بالمخاطر، وقد تكون كلفته السياسية والاجتماعية أعلى بكثير من أي مكاسب ظرفية محتملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر − 9 =

زر الذهاب إلى الأعلى