أخر الأخبار

خالد الإعيسر يكتب: بواقعية: سبعون عاماً من الاستقلال.. وما زال الطريق طويلاً!

 

مرّت علينا الذكرى السبعون لاستقلال السودان، ورفرف علم البلاد عالياً فوق سارية القصر الجمهوري كما لم يرفرف من قبل، حاملاً معه آمال أجيال متعاقبة، وتطلعات شعب عظيم، وصبراً طويلاً على دروب شاقة لم تكن سهلة ولا مستقيمة. وكانت أشد تعرجات هذه الدروب ما شهدته البلاد خلال الأعوام الستة الماضية، وأسوأها على الإطلاق السنوات الثلاث الأخيرة.
سبعون عاماً ليست زمناً عابراً في عمر الأوطان والشعوب؛ إنها تجربة مكتملة الدروس، حافلة بالإنجازات كما بالإخفاقات، وتستوجب وقفة صادقة مع الذات، لا احتفالاً ظرفياً بترديد الشعارات والأناشيد الوطنية، ولا اجتراراً للخطاب العاطفي، بل مراجعة واعية لما مضى، واستعداداً جاداً لما هو آتٍ.
لقد شهد وطننا العزيز، السودان، خلال هذه العقود السبعة تحديات جسيمة، تمثلت في نزاعات داخلية، وتباينات سياسية، واختلالات في إدارة التنوع، وانعكاسات اجتماعية واقتصادية أثقلت كاهل المواطن، وأثرت بعمق في مسار التنمية والاستقرار. كما عانت البلاد من حروب خلفت ضحايا كُثر، ونزوحاً ولجوءاً، وجراحاً غائرة ما زالت تنزف، وتحتاج إلى معالجة وإنصاف بروح المسؤولية الوطنية.
اقتصادياً، لم ننجح بعد في تحويل موارد السودان الهائلة إلى رفاهٍ مستدام لمواطنيه. فقد تراجع الأداء في قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الزراعة، رغم الإمكانات الكبيرة التي جعلت السودان يوصف تاريخياً بأنه مؤهل ليكون سلة غذاء للعالم. كما تضررت الخدمات الأساسية – من صحة وتعليم وثقافة وغيرها – بفعل عدم الاستقرار وتراكم الأزمات.
أما سياسياً، فقد عرف السودان تجارب ديمقراطية مهمة، لكنها كانت قصيرة العمر، ما حال دون ترسيخ تقاليد الحكم الرشيد، وأضعف الثقة بين المواطن والدولة، وهو درس لا بد من التوقف عنده بصدق ومسؤولية.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن الشعب السوداني ظل، رغم كل شيء، متمسكاً بالأمل، قادراً على النهوض، ومؤمناً بقيم التعايش، والتسامح، والانتماء الوطني. وهذا هو الرصيد الحقيقي الذي يجب أن نبني عليه.
سبعون عاماً مؤلمة، ولو اكتفينا فقط بما تعرّض له متحف السودان القومي من نهب وتدمير على يد ميليشيا الدعم السريع المتمردة، لوجدنا أن ما فقدته البلاد من مقتنيات أثرية يعد خسارة لا تكاد تدانيها خسارة.
سبعون عاماً مضت، ولم يعد السؤال: ماذا حدث؟
فما حدث يفوق قدرة العقل على الاستيعاب.
بل السؤال الأهم هو: ماذا نتعلم؟
وماذا نريد أن نصنع معاً في المستقبل؟
إن التحدي الحقيقي أمامنا اليوم يتمثل في تأسيس دولة تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، وسيادة القانون، واحترام التنوع الثقافي والإثني؛ دولة يشعر فيها كل سوداني بأن حقوقه مصانة، وكرامته محفوظة، والفرص متاحة له دون تمييز، عبر إعادة النظر العادلة في توزيع الثروة والسلطة، وفق منهج يقوم على الإنصاف وتبادل المنافع بواقعية.
لسنا مطالبين بإنكار الماضي، ولا بتحميل جيل واحد وزر ما تراكم عبر عقود، لكننا مطالبون – جميعاً – بتحمل مسؤولية الحاضر، وصناعة المستقبل بإرادة مشتركة، وعمل جاد، وخطاب صادق.
ويبقى الأمل قائما: هل نستطيع أن نجعل الأعوام القادمة بداية لمسار جديد؟
هل يمكن أن يكون عام 2026 نقطة انطلاق لسبعين عاماً مختلفة، برؤية وطنية جديدة جامعة، ودولة حديثة، ومفهوم جديد للحكم والتنمية؟
ذلك هو التحدي.. وذلك هو الأمل الذي يجب أن نعمل من أجله، بعون الله.
وكل عام وشعب السودان بخير، والسودان أقرب إلى السلام، والاستقرار، والازدهار.
خالد الإعيسر
03 يناير 2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى