
لم تعد حضرموت صامتة، لكنها لم تتكلم بعد. وفي هذا الصمت، لا تُدار محافظة بقدر ما يُدار سؤال الدولة اليمنية الممكنة. فبعيدًا عن ساحات الاشتباك المباشر، تتحول حضرموت إلى مساحة تعليق استراتيجي، تُؤجَّل فيها القرارات النهائية، وتُختبر فيها قدرة الحلفاء على التعايش مع خلافاتهم من دون تفجير المشهد. هنا تُدار السياسة بميزان أدقّ من ميزان القوة، حيث يصبح الزمن ذاته جزءًا من المعادلة وأداة لإدارة المخاطر بدل حسمها.
ما يجري في حضرموت ليس تنافس نفوذ تقليديًا، بل خلافًا صامتًا حول تعريف الدولة. تتعامل السعودية مع الدولة بوصفها وحدة سيادية–أمنية تُقاس بقدرتها على ضبط الحدود وحماية العمق الاستراتيجي ومنع انتقال الفوضى. ومن هذا المنظور، تُقرأ حضرموت كحزام أمان جغرافي وسياسي لا يجوز زعزعته؛ لأن أي خلل فيها سيرتد مباشرة على أمن الحدود الجنوبية، ويحوّل شرق اليمن إلى جبهة طويلة يصعب احتواؤها، ويبدّد آخر مناطق التحييد النسبي في حرب اتسعت هوامشها وتشابكت مساراتها.
في المقابل، تُقرأ المقاربة الإماراتية—بحسب أنماط سابقة لإدارة الأقاليم الطرفية—على أنها رؤية للدولة بوصفها وحدة وظيفية قابلة لإعادة الهندسة من الأطراف. ليست دولة تُستعاد دفعة واحدة، بل أقاليم تُدار، وتوازنات محلية تُصاغ، ووقائع ميدانية تُثبَّت قبل أن تُترجم سياسيًا. من هنا تتقدّم مقاربة مختلفة: نفوذ محلي متدرّج، حضور صامت، وتأجيل الإعلان السياسي إلى اللحظة التي يصبح فيها الواقع أقوى من النص، باعتبار أن الإدارة طويلة النفس قد تكون أقل كلفة من الصدام المباشر وأكثر قدرة على إنتاج مكاسب مؤجّلة.
هذا التعارض في الرؤيتين لا يعني صدامًا وشيكًا، بل إدارة واعية للخلاف داخل التحالف الواحد. فالصراعات لا تنفجر دائمًا بين خصوم؛ كثيرًا ما تتعمّق داخل التحالفات حين يختلف تعريف الهدف النهائي. في حضرموت، لا يتنافس اللاعبون على من ينتصر أولًا، بل على من يمتلك رفاهية الانتظار. الزمن يتحول هنا إلى أداة سياسية بحد ذاته: إبطاء التحول في موضع، وتسريع تثبيت الوقائع في موضع آخر، من دون كسر سقف التوافق الإقليمي أو تحويل الخلاف إلى مواجهة مكشوفة.
ضمن هذه البنية، يبرز المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه نتاج فراغ الدولة أكثر من كونه بديلًا مكتملًا لها. حضوره لا يصنع الانقسام بقدر ما يستثمر انقسامات قائمة، ولا يفرض واقعًا من عدم بقدر ما يملأ مساحات لم تنجح السلطة المركزية في إدارتها. ولهذا ظلت حضرموت عصيّة على الاستنساخ؛ تركيبتها الاجتماعية، وثقل نخبها المحلية، وحساسية توازناتها القبلية والاقتصادية، ووعيها بكلفة الانزلاق إلى مسارات صراعية جديدة—كلها عوامل أخّرت إدخالها في معادلة الجنوب المشتعل، ورفعت كلفة أي محاولة لفرض واقع سياسي متعجل لا يراعي الخصوصيات المحلية.
الإعلانات السياسية حول مراحل انتقالية مؤجّلة، لا سيما تلك التي طُرحت مطلع يناير 2026، أعادت حضرموت إلى قلب السؤال. فالمحافظة ليست “إضافة جغرافية” لأي مشروع، بل شرط اكتماله أو فشله. لذا تُدار بوصفها حيزًا سياسيًا مؤجَّل الحسم: ليست ساحة حرب، وليست منطقة سلام، بل مساحة تعليق تُنتظر فيها الإجابة النهائية. وكل طرف يعمل على أن تأتي تلك الإجابة لصالح تعريفه للدولة وشكلها ووظيفتها، لا ببيان واحد، بل بتراكم إدارة ووقائع على الأرض تُراهن على الزمن بوصفه حليفًا.
تكتسب حضرموت وزنها الأوسع حين تُقرأ خارج اليمن. إشرافها على بحر العرب، وامتدادها الذي يربط الداخل بالفضاء البحري المفتوح، يمنحانها وظيفة استراتيجية في نظام إقليمي يُعاد ترتيبه. ومع تغيّر حسابات الملاحة والأمن البحري والبحث عن بدائل أقل هشاشة للممرات التقليدية، تتحول حضرموت—وفق قراءة استراتيجية—إلى عقدة لوجستية محتملة، ومنطقة عزل أمني، وبوابة اقتصادية مؤجّلة. السؤال لم يعد أين تقع حضرموت، بل لأي نظام إقليمي ستنتمي حين تُستكمل إعادة تشكيل الشرق الأوسط البحري، وكيف ستُدار علاقتها بممرات التجارة والطاقة والموارد.
التحركات العسكرية المحدودة والرسائل الأمنية المضبوطة السقف لا تهدف إلى تغيير فوري للواقع، بل إلى ترسيم خطوط حمراء متبادلة. تتعامل السعودية مع حضرموت باعتبارها مساحة ينبغي تحييدها عن القفزات السياسية عالية الكلفة، وأن الحفاظ على توازنها شرط للاستقرار الأوسع ومنع فتح جبهات جديدة غير محسوبة. في المقابل، تُدار المقاربة الإماراتية بمنطق التأجيل المُدار، إدراكًا لأن القفز السياسي قد يكون أخطر من الانتظار، وأن تثبيت الإدارة المحلية وبناء الشبكات الاقتصادية والأمنية قد يسبق أي إعلان سياسي لاحق.
التاريخ القريب يقدّم دروسًا واضحة: أقاليم أُديرت طويلًا بوصفها استثناءً تحوّلت لاحقًا إلى بؤر صراع حين فُرضت عليها ترتيبات لا تعبّر عن توازناتها المحلية ولا تستند إلى عقد سياسي جامع. ليست المشكلة في حضرموت من يسيطر عليها اليوم، بل كيف ستُدار غدًا إذا تغيّرت موازين القوى، ومن أي تصور للدولة ستستمد شرعيتها، وهل ستُعامل كجسر للاستقرار أم كنموذج قابل للتكرار في أماكن أخرى تعاني الهشاشة نفسها.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة حضرموت باعتبارها استثناءً جغرافيًا أو تفصيلًا هامشيًا في مسار الأزمة اليمنية، بل بوصفها اختبارًا لطريقة إدارة النزاعات حين تتقدّم كلفة الحسم على إغراء القرار. فالتجربة تُظهر أن الإبقاء على مناطق “معلّقة” قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يلغيه، وأن إدارة اللاحسم تتحول مع الوقت من خيار مؤقت إلى نمط حكم كامل، يحمل في داخله بذور أزمات أكثر تعقيدًا. من هنا، لا تتحدد خطورة حضرموت بما قد يحدث فيها اليوم، بل بما يمكن أن تصبح عليه غدًا إذا استمر التعليق كبديل عن التسوية، والزمن كأداة وحيدة لإدارة الصراع.
وبذلك، فإن حضرموت ليست هامشًا في الصراع اليمني، بل إطارًا تفسيريًا له. من يقرأها جيدًا لا يفهم اليمن فحسب، بل يفهم كيف تُدار الصراعات في الإقليم حين يصبح الحل أخطر من استمرار الأزمة. وكلما طال التوافق الظاهري حول حضرموت، زادت احتمالات انفجار الخلاف الكامن فيها. أخطر ما قد يحدث ليس انفصالًا مُعلنًا، بل تحوّل المحافظة إلى نموذج يُغري بتكراره، ويفتح جبهات صامتة في حرب لم تنتهِ بعد—جبهات تُدار بالزمن، لا بالضجيج.
د. عبدالناصر سلم حامد – باحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب، فوكس السويد



