أخر الأخبار

الدعم السريع بين الإفراط والتفريط (3 – 4)

بقلم : الباحث الأكاديمي
الدكتور / طاهر موسى الحسن
Tahermusa2010@yahoo.com

مواصلة لما إنقطع في الحلقة الماضية …
ثالثاً : تداعيات الحرب ومآلاتها.
1/ أدت الحرب التي شنها المتمرد حميدتي متحالفاً مع المليشيات القبلية والمرتزقة العابرين للحدود، إلى خراب ودمار واسع، شمل كل أنحاء العاصمة وبعض ولايات دارفور وكردفان، ولم يسلم منها البشر والممتلكات العامة والخاصة، حيث نُهبت البيوت وأُحتلت الأعيان المدنية كالمستشفيات ودور الشرطة والمقار الحكومية، وتم سرقت الآليات وعربات المواطنين وإقاموا أسواق لبيع تلك المنهوبات علناً (أسواق دقلو نموذجاً)، كما تم أًسر وأقتياد منسوبي القوات النظامية والمعاشيين والمواطنين إلى معتقلات أقامتها القوة المتمردة ، ولقي بعضهم حتفهم فيها تحت التعذيب، لا لجريرة جنوها سوى إتهامهم بأنهم من فلول النظام السابق (المؤتمر الوطني أو الإسلاميين) قالوا يحركهم على كرتي (وهو من القيادات الإسلامية في النظام السابق تولى وزارة الخارجية في الفترة بين (2010م -2015م) ويشغل حالياً منصب الأمين العام للحركة الاسلامية السودانية وكان قد نادى بالوقوف مع القوات المسلحة، صدرت ضده مؤخراً عقوبات من الخزانة الأمريكية بتهمة إطالة الحرب).
2/ إعتدت المليشيا المتمردة وحلفاؤها على دار الوثائق القومية والمتاحف وسجلات الأراضي والسجل المدني وسجلات المحاكم والمطارات، في محاولة لطمس هوية الشعب السوداني، كما نهبوا المصارف والبنوك والشركات العامة والخاصة، وهاجموا السجون وأطلقوا صراح المساجين والمعتقلين من المجرمين والسياسيين سواء كانوا من المحكومين أو المنتظرين .
3/ إختطفت المليشيا الحرائر من العاصمة القومية ومن بعض ولايات دارفور كـ (سبايا حرب) في ظاهرة غريبة لم يشهدها السودان في منذ أمد بعيد، وطالبوا بدفع مبالغ مالية كفدية مقابل إطلاق سراحهن عبر وسطاء، كما تم بيع بعضهن في أسواق النخاسة التي أنشاؤها لذلك الغرض في بعض مناطق دارفور كـ (سوق الجنجويد بالجنينة)، كما مارست المليشيا الإغتصاب والعنف الجنسي وفق التقارير الدولية كإفادات مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة سليمى إسحاق حسب ما ورد في (سودان تربيون) والتي ورد فيها (إن جرائم الإغتصاب قد إرتفعت منذ بداية الحرب إلى 136 حالة 66 منها سجلت بولاية الخرطوم، بينما توزعت بقية الحالات في ولايات جنوب وغرب دارفور، وجميع الحالات الجديدة وفقاً للناجيات أرتكبت بواسطة عناصر من قوات الدعم السريع عدا حالتين فقط أرتكبت بواسطة مجموعات النهب المسلح) ، علماً بأن هذه الحالات هي التي تم التبليغ عنها، ولكن ما لم يتم التبليغ عنه أضعاف ذلك العدد بعشرات المرآت .
4/ مارست تلك القوات جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في معظم بقاع السودان كالإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد بعض قبائل دارفور، وتهجير السكان من مناطقهم، والقتل على أساس العرق والتعذيب (المساليت نموذجاً)، كما إزدادت الصراعات المسلحة داخلها في الخرطوم، إضافةً لتفاقم الصراعات المسلحة بين المجتمعات التي تنتمي إليها أعداد مقدرة منهم مما تطلب عودة بعضهم لنصرة أهلهم في ولاياتهم، كما دعمت المليشيا المتصارعين من أتباعها بعضهم ضد البعض (السلامات والبني هلبا في دارفور نموذجاً)، مما أدى إلى حرق كامل لمدينة كبم وقرية موركندي معقل البني هلبا وبالتالي مقتل ونزوح وتشريد الآلاف منهم .
5/ إستمر تدفق المدد البشري نحو العاصمة لتغذية الحرب من المكونات القبلية للمنتمين لبعض القبائل التي يمثل فيها أبناء القبائل العربية في دارفور وإمتدادتهم (عرب الشتات) أغلبية، إما حميةً في شكل فزع ونصرة لأبناء العمومة، أو من أجل الغنائم التي أقيمت لها الأسواق في ولايات دارفور وبعض دول الجوار الغربي، علماً بأن عرب الشتات في دول الجوار الإفريقي يخططون لإحتلال السودان ليكون بلداً بديلاً لهم، وهي رغبة و اشواق تتوافق مع أجندات خارجية لدول وأنظمة تريد التخلص منهم بدفعهم شرقاً، لا سيما وإنهم يمثلون أقليات موزعة على عدد من الدول يشكلون هاجساً أمنية أينما كانوا.
6/ وجدت القوات المسلحة السودانية إلتفافاً شعبياً منقطع النظير، ما كان له أن يتحقق لولا البربرية التي مارسها منسوبوا المليشيا ضد المواطن الذي إنتهكت حقوقه، وهُجر وشُرد وأُغتصبت أملاكه ودُمرت مرافقه العامة من المستشفيات والجامعات ودور العبادة، وعانت نساؤه القهر والتشريد والإغتصاب والإسترقاق… بالرغم محاولات الآلة الإعلامية للمليشيا تجميل وجه المعتدين وأفعالهم وإدعاءاتهم بحماية المواطن من شر كتائب الظل الأخوانية وغيرها من مساحيق التجميل الكذوب .
أما قوى الحرية والتغيير فقد عجزت عن إصدار إدانة واحدة لأفعال المليشيا المتمردة التي هزة أفعالُها الضمير العالمي، مما أفقد (قحت) التعاطف الشعبي الذي حظيت به في يوم من الأيام، بعد أن تحايلت على الإدانة بوصف الحرب بالعبثية وإدعت الحياد، في الوقت الذي يرى فيه المواطنُ الجيش يدافع عن عرض وممتلكاته، ولسان حاله يقول أين الحياد هنا؟ وهو يرى قيادات (قحت) تمترست خلف شعار (لا للحرب) دون أن تقدم أي وصفة لكيفية إيقافها، سوى أحلام ورغبات بفرض تسوية سياسية من الخارج، تأتي بهم مجدداً للحكم، عبر منبر جده أو غيره. وهو ما يؤكد دعم (قحت) للمليشيا بالرغم من إدعائها الحياد، وليس أدل على ذلك من رفض مجلسها المركزي تصنيف قوات المليشيا المنحلة (جماعة إرهابية)، كما ورد في مطالب رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة لدى مخاطبته إجتماعات الأمم المتحدة في دورتها ال (78)، وهو مطلب يمثل الشعب السوداني من غير شك. فضلاً عن تبني قحت كل آراء المليشيا فيما يلي في قضية (من أطلق الرصاصة الاولي) وإنكار جرائم المليشيا في العاصمة ومختلف الولايات في تطابق كامل مع إدعاءات المليشيا .
رابعاً: إفراط البعثة الأممية (يونيتامس).
1/ تجاهل المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للسودان ورئيس بعثة (يونيتامس) الدكتور فولكر بيرتس طبيعة مهمته في السودان والمتمثله في تقديم المساعدات الفنية والتقنية في عملية الإنتقال السياسي وصياغة الدستور والمساهمة والتحضير للإنتخابات، للعبور بالفترة الإنتقالية ألى بر الأمان كما ينص على ذلك التفويض [Mandate]، الممنوح له، إذ صار فولكر جزءً من الأزمة، بتخطيطه لمستقبل سياسي للسودان وفق أجندة خارجية تخص جهات أجنبية، وكان ذلك بمشاركته في صياغة وإعداد الإتفاق الإطاري الذي تم توقيعه بين المكون العسكري وبعض القوى المدنية، ومن ضمن نصوصه تسليم السلطة الإنتقالية إلى حكومة مدنية كاملة تسلم لقوى إعلان الحرية والتغيير دون مشاركة القوات النظامية والجناح الآخر للحرية والتغيير (غير الموقع على الإطاري) المتمثل في الكتلة الديمقراطية [شركاء إتفاق سلام جوبا]. وتبنيه أطروحة إبعاد الجيش من المشاركة في الفترة الإنتقالية وتسليم الحكم لمجموعة سياسية غير منتخبة وغير مفوضة جماهيرياً، أمرٌ وجد الرفض من أغلب القوى السياسية. فقد وجد المبعوث الأممي بغيته في تأييد قائد الدعم السريع للإتفاق الإطاري ليكون أحد مسببات الحرب التي شهدتها العاصمة وبعض الولايات. فضلاً عن محاولاته لضمان دور للدعم السريع في الحياة السياسية للسودان في الفترة القادمة وتصويره للقوات المسلحة الوطنية مجرد طرف في الحرب المشتعلة كتشكيل يصارع تشكيل آخر، ونسب جرائم القوات المتمردة للطرفين دون تسمية القوة المنتهكة.
2/ يشير السفير عمر دهب المندوب السابق للسودان لدى الأمم المتحدة في مقـال بعنــوان ( فولكر عرض لمرض) نُشر في 3 يونيو 2023م لذلك المعنى إذ يقول ( أن فولكر نسي أو تناسى طبيعة البعثات السياسية القائمة على مبدئين جوهريين، هما الحياد وإشراك الجميع]، واصفاً إياه بأنه ( لعب دوراً لا تخطئه العين في العملية السياسية بالسودان من غير أن يصيب أياً من الأهداف المنوط بها، متعدياً الدور المرسوم له في المساعدة والدعم وهما العامل المشترك في المهام والأهداف المنصوص عليها، بل إنتهى به الأمر ليكون أحد مسببات أول حرب شاملة في السودان يكون مسرحها الأول العاصمة القومية وأول حرب هجومية شاملة على الجيش الوطني، وأول حملة عسكرية لإنتهاك كل مبدأ وكل نص في القانون الدولي الإنساني في عملية منظمة قل نظيرها في تاريخ المدنية الحديث).
3/ إنتبهت الحكومة لخطورة الدور الذي لعبه وظل يلعبه فولكر، وطالبت الأمين العام للأمم المتحدة إبعاده، مع الإبقاء على البعثة إيماناً بدورها، ولكن تمسك فولكر بمنصبه وممارسة نشاطه من نيروبي دون أن يعير إنتباهه للأصوات المنادية بذهابه من غير رجعة، كان سبباً كافياً لإصرار الحكومة على إعادة النظر في وجود البعثة الأممية من أساسها، فاستجاب الأمين العام للأمم المتحدة لذلك، وقبل استقالة فولكر في 13 سبتمبر 2023م، مع التمديد للبعثة الأممية بالسودان، بإجماع أعضاء مجلس الأمن لمدة ستة أشهر تنتهي في ديسمبر 2023م.
نواصل غدا الحلقة الاخيرة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى