
تجولت وسط المتظاهرين وقابلت كثير من المواكب ، حيث لم أكن مهتما بنوعية المتظاهرين ولا عددهم ولا سنهم العمرية ، فقد كنت باحثا فقط في خضم سؤال (ماذا يريد هؤلاء الشباب ؟) ، وسؤالي هنا ليس استنكاريا ولا استعلائيا إنما هو سؤالا استقصائيا موضوعيا ؛ لكني وللأسف لم أجد إجابة واضحة رغم أني أرى عشرات القضايا ومئات الاشكالات تستوجب تنظيم مليونية ؛ ولا أدر لماذا لا يردد هؤلاء المتظاهرين هذه المطالب ؟ لا أدر لماذا لا يطالب المتظاهرين بتحسين الخدمات المعيشية وهم يتضمرون جوعا ؟ لا أدر لماذا لا يرفضون المحاصصات الحزبية في الحكومة ؟ لا أدر لماذا لم يطالبوا بإقالة الفاشلين الذين أقحم بهم حمدوك مجلس الوزراء ؟ لا أدر لماذا خرجوا مشتتين وكأنهم خرجوا من أجل الخروج ؛ كأنهم خرجوا من أجل (إحراق الطرقات) وتتريسها ؛ كأنهم خرجوا ليلتقوا مع بعضهم البعض ليؤكدوا للعالم أنهم ما زالوا أحياء وأن (الكورونا) لم تقتلهم ..!!
بعضهم خرج فقط من أجل الماضي فالمسألة بالنسبة لهم (قصة ريد قديمة ، يذكروهم عليها ديمة كلما حاولوا ينسوا أعادوا زكراها الأليمة ) ، هكذا هو لسان حالهم خاصة حينما يرددوا هتاف (أي كوز ندوسو دوس ) هؤلاء لا يدرون أن معركتهم مع الكيزان قد انتهت وأن معركتهم الآن مع من قتل اخوانهم في ساحة الاعتصام ، معركتهم الآن مع من سرق ثورتهم ؛ معركتهم الآن مع من أضعفهم ورهنهم للخارج ؛ معركتهم الآن مع من حولهم احلامهم إلى سراب وواقعهم إلى بؤس وجوع ومسغبة..!!
لا يدري هؤلاء الشباب أن معركتهم الآن مع الظلم والمحسوبية والفساد وتمكين الأحزاب والشلليات ؛ نسي هؤلاء الشباب شعار (حرية سلام وعدالة ) ؛ نسي هؤلاء كل أحلامهم الوردية التي كانوا يتوقعونها في سودان ما بعد الثورة ولم يتبقى لهم إلا التعلق والسير خلف الاحزاب وعواجيزها الذين فشلوا في إدارة الوطن منذ العام ٥٦ وحتى الآن ؛ أحزاب فشلت في كل شيئ ولم تنجح إلا في سرقة جهد وعرق هؤلاء الشباب ؛ وهذامؤشر خطير لجيل يوصف بأنه (واعي) وصانع مشروع التغيير والتجديد ؛ فكيف له أن يصبح أداة مشحونة بالكراهية وتمرير أجندات الأحزاب واجندات الأجنبي..!!
نعم خرجت المسيرات من كل حدب وصوب ؛ لكنها خرجت (مع الجميع) و(ضد الكل) لذلك كانت أول ثمرات خروجهم (تم تمديد عمل لجنة نبيل أديب لثلاثة أشهر أخرى) ؛ سيتم تحرير أسعار الدقيق والمحروقات وسيشتعل السوق مرة أخرى ، مزيد من التمكين للأحزاب ؛ سيستمر اغلاق الجامعات طيلة الفترة الانتقالية ..!!
صفوة القول
لم يكن المظهر احتفاليا ، ولم توزع فيه الشوكولاتا والزهور ، ولم نستمع فيه لموسيقى الجاز ولا أغنيات الراب ، ولم نستمتع فيه بأصوات ومناظر الألعاب النارية ، فقد شاهدنا فيه الدبابات وإغلاق الكباري ، شاهدنا فيه الحرق والنهب والسلب وترويع المواطنين ، شاهدنا فيه الدخان يعلوا بنفسه إلى طبقات الجو وهو وضيع..الله المستعان.


