أخر الأخبار

تأملات / جمال عنقرة سيد أحمد خليفة .. عشرة أعوام على الرحيل

تعودنا مع أخواني وأبناء أخي وصديقي الحبيب الأستاذ الجليل الراحل المقيم سيد أحمد خليفة أن نحيى ذكري رحيله كل عام، وكنت في كل عام تقريبا أكتب مقالا عن الراحل المقيم، وكنت في كل عام اختار جانبا من جوانب حياة أخي الأستاذ الإنسان أكتب عنه، ولقد أتاحت لي صلة مباشرة وعميقة أكملت في عامنا هذا عقدها الرابع دون أن تنقطع أو تنفصل، أتاحت لي معرفة جوانب في حياة الأستاذ سيد أحمد خليفة أقطع أنه لا أحد غيري يعرفها، وكانت ذكري هذا العام يمكن أن تمر دون أن أقف عندها، إلي أن لفت نظري أخي الحبيب، وصديقي العزيز عبد المحمود المتعافي إلي أن هذه هي الذكرى العاشرة للرحيل المر للأستاذ النادر سيد أحمد خليفة، ولمجرد أن يلفت نظرى للذكرى أخي عبد المحمود فتلك وحدها وقفة مهمة، وعبد المحمود هو الشقيق الأكبر لأخي الدكتور عبد الحليم المتعافي، ومعلومة المعارك التي كانت بين سيد أحمد وبين المتعافي، ولكن هذه واحدة من القيم السودانوية المهمة التى كان يجسدها أخي الراحل سيد أحمد، وهي عند عبد المحمود أصيلة وراكزة، ورحم الله أخي الصديق الحبيب المرحوم الدكتور عبد الماجد عبد القادر الذي جمع بين أخي وابن أخي يوسف سيد أحمد، وأخي عبد المحمود، وبحمد الله أنهما لا يزالان تحت عباءة الإخاء والمودة التي جمعهما فيها الراحل عبد الماجد له الرحمة والمغفرة، وآخر مرة رأيتهما فيها كانا معا عقب خروجي من المستشفى بعد وعكة صحية كبيرة كان الفضل في تجاوزها بسلام وأمان من بعد فضل الله تعالي ودعوات الأحباب الصادقات، للإنسان الملاك الدكتورة هدي حامد مديرة مستشفى احمد قاسم، وكل أسرة المستشفى الرائعين.
أكتب اليوم عن الأستاذ السودانوي سيد أحمد خليفة في ذكرى رحيله العاشرة، وهي تصادف ذكري يوم ثورة ديسمبر المجيدة الأغر، وهو ذات اليوم الذي أسقطت فيه الجبهة الإسلامية حكومة الديمقراطية الثالثة في الثلاثين من يونيو عام 1989م، وهى ذكريات لمواقف الأستاذ سيد أحمد خليفة دروس وعبر.
أذكر في خواتيم عهد الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكومتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي، كنت من الذين يئسوا من تجربة حكم الأحزاب، ومن الممارسات الخاطئة التي كانت تتدثر بثوب الديمقراطية التي قال عنها أخي الشقيق، الحبيب العفيف الراحل المقيم الشريف زين العابدين الهندي (لو شالها كلب مافي زول يقول ليهو جر) وكنت وقتها مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري في ملجئه السياسي في مصر مستشارا إعلاميا، وفي مايو عام 1989م، كثفنا الحملة ضد حكومة السيد الصادق المهدي، فكتبت مقالا في الذكري العشرين لمايو 1969م، عقدت فيه مقارنة بين إنجازات عهد مايو، وإنجازات حكومات السيد الصادق المهدي، ومن أجل أن يكسب المقال رواجا واسعا أخذته وذهبت به إلي صديقي الأستاذ سيد أحمد خليفة في جريدة الوطن ذائعة الصيت، فلم يتردد سيد أحمد في نشره، بل أفرد له صفحة كاملة مميزة، وكتب له مقدمة جاء فيها، (الأستاذ جمال عنقرة صحفى مايوي “أما وأبا” في اعتقادي ليس لكونه من جيل صحافة مايو وحسب، ولكن لأنه ما زال يدافع عن التجربة الشمولية في مقالته هذه وفي حواراته وونسته معنا، ومع غيرنا من أصدقائه ومعارفه….. عقب الانتفاضة التقيت الأستاذ جمال عنقرة وكان حديثه يوحي بانتمائه للجبهة الإسلامية، حيث اعتبرنا ذلك أمرا طبيعيا، إذ أن معظم الفارين من مخاوف التأييد لمايو احتموا بعد الانتفاضة بالجبهة الإسلامية ورفعوا شعار لا ولاء، ولا تبديل، حيث أن القصد هو البحث عن أمان وعدت الجبهة بتوفيره للمحتمين بها، من الخائفين من الحساب والعقاب. …. والآن ومن خلال هذا المقال الذي يمارس فيه الأستاذ جمال عنقرة حقه المشروع في التعبير عن وجهة نظره، يعود الرجل مايويا خالصا بعد أن امتطي الجبهة الإسلامية لفترة، وعملا بحرية النشر نعطيه الفرصة والمنبر ليقول ما عنده، ولكن نذكره بأن هذا الحق الذي ناله الآن – وهو حق دستوري وشرعى – ما كانت مايو تعطيه للناس، وهذه كانت من أكبر أخطائها الكبيرة والخطيرة، والتى جرت بعدها العديد من المآسي والكوارث حيث ما زال شعبنا يدفع ثمن أخطاء مايو ومصائبها، ومع ذلك فالحرية لنا ولسوانا في ظل الديمقراطية.)
ونشر سيد أحمد المقال كاملا لم يحذف منه حرفا واحدا. وفي تلك الأيام كانت صحف عربية كثيرة قد أجرت حوارات مع الرئيس الأسبق جعفر نميري في مقر إقامته في مصر، وكانت الصحف السودانية تعيد نشر حوارات الصحف العربية، فذهبت إلي الأستاذ سيد أحمد وعرضت عليه سبقا صحفيا، ووعدته بترتيب لقاء له مع نميري في القاهرة، فوافق بدون تردد، وحددت له الموعد بعد ثلاثة أيام فقط، وسبقته إلي هناك، وحضر بعد يوم من الموعد المتفق عليه، وأجري حوارا مطولا مع النميري استمر في يومه الأول لتسع ساعات متصلات، قال فيه نميري كل ما أراد، وجدد فيه الوعد والوعيد، ونشر سيد أحمد كل ما قيل لم يحرف، ولم يحذف، ولم يزد، واشتعلت الخرطوم بما قال نميري، ونشره سيد أحمد يرحمهما الله تعالي.
وفي اليوم التالي أخبرني سيد أحمد أنه تأخر يوما في الوصول بسبب حرصه علي مقابلة رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي لأمرين مهمين، أولهما لاطلاعه علي فكرة الحوار حتى لا يتخذ ذلك خصومه ذريعة للفتك به، ثم أنه أراد أن يقود مبادرة للمصالحة بين نميري وبين النظام الديمقراطي علي نهج المبادرة التي قادها الرجل الوطني المخلص السيد فتح الرحمن البشير له الرحمة والمغفرة للصلح بين نميري والجبهة الوطنية في العام 1977م، وأخبرني سيد أحمد أن الصادق المهدي بارك المبادرة، فذهبت معه إلي نميري الذي أبدي بعض المخاوف من الصادق المهدي، واشترط مبادرات حسن نوايا، كأن تطلق الحكومة سراح المايويين المعتقلين، وتوقف الهجوم الإعلامي عليهم، ولكن حدث العكس بعد عودة سيد أحمد فزادت الحكومة هجومها علي مايو ونميري، واعتقلت سيد أحمد خليفة بتهمة التحريض علي النظام الديمقراطي، وظل الأستاذ سيد أحمد في المعتقل لم يخرج منه إلا بعد سقوط حكومة الأحزاب في الثلاثين من يونيو 1989م.
العبرة في ذلك السعة التي كان يتميز بها هذا الرجل العظيم، وأن إيمانه بحرية الصحافة وحرية التعبير، لم تكن تحده حدود، وعبرة أخري في قيادته لمبادرة المصالحة الوطنية التي كان من الممكن أن تجنب البلاد شرور كثيرة وقعت بعد ذلك.
وسيد أحمد خليفة يرحمه الله كان مثالا للإنسان السوداني السمح المتسامح، وكان في الصحافة مهنيا من الدرجة الأولى الممتازة، لم يكن يهمه الانتماء السياسي للذين يعملون معه، فقط كانت تهمه مهنيتهم، وتجربتي معه خير شاهد ودليل، فعلي الرغم من خلافنا السياسي لكننا كنا الأقرب مهنيا واجتماعيا، ولقد اصطفانى مرتين، لأكون مسؤولا عن جريدته وحياته “الوطن” المرة الأولى عندما غادره أخي وصديقي وزميلي الحبيب الأستاذ مصطفي ابو العزائم لتأسيس صحيفتهم (آخر لحظة) مع الأصدقاء المرحوم العبقري حسن ساتي، والمهندس الحاج عطا المنان، والحبيب الهندي عز الدين، والصديق عبد العظيم صالح، فاستجبت لندائه وفاء لبعض ديونه علي شخصيا وعلي الصحافة والصحفيين علي وجه العموم، وترك لي أمر تحرير الوطن كاملا، وكان يعود إلى بيته حوالي الرابعة عصر بعد أن يكتب مقاله اليومي، ولا يسأل بعد ذلك عن صحيفته، ويقرأها في اليوم التالي مع عامة القراء، والثانية عندما ذهب في آخر رحلة استشفاء قبل عشر سنوات، فاضت فيها روحه الطاهرة، وبكاه البعيد قبل القريب بدمع ثخين، وحملني في هذه الرحلة مسؤولية كل من ترك وراءه، ابنته “الوطن” وأبنائه “يوسف عادل وأمير” وأسرة الوطن، ولقد كانوا جميعا لي حسن معين، ف”الوطن” ترك لها اسما، ورفع لها راية لن تسقط أبدا، بإذن الله تعالي، وأبناؤه لم يترك لهم خيارا إلا أن يكونوا أبرارا، وأذكر أن أحد الأصدقاء قال لي أن الأبناء الناجحين يكونون بارين بابائهم، إلا أن سيد أحمد خليفة كان بارا بأبنائه، أما بنات وأبناء الوطن المخلصين، فلقد ظلوا يقدمون في شخصي ولاءهم وحبهم لأستاذهم الجليل سيد أحمد خليفة، ولم يتركوا لي خيارا غير أن أحتضنهم واحتويهم. والرحمة والمغفرة لأستاذ الأجيال الإنسان المثال سيد أحمد خليفة، والعزاء لأبنائه، وأحفاده، وكل ال خليفة والمساعداب، ولأسرة “الوطن” الممتدة، ولكل زملائه وتلامذته، وأحبابه المنتشرين المتباينين، ولا نقول في ذكري رحيله العاشرة إلا ما يرضي الله “إنا لله وإنا إليه راجعون)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 + ثمانية عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى