سكة قلم – حروف منسية.. (2)


د.خالد مريود
Mariodmariod10@gmail.com

أختار لنفسه مكاناً قَصي منخفضا ناحية الغرب من ذاك الفناء الفسيح الممتد من فريق (الهواوير) إلى شارع (البرنسات) شرقا ومن أقصي الشمال بيت العم “اللمين السنوسي” مرورا بقرآنية النساء حتى منزل الشيخ “محمود” جنوبا.
فقد كانت خلوة أبو الشيخ “عبد الرحمن” فسيحة واسعة المضارب، في المساء كانت لنا استراحة بين العصر والمغرب نلعب ونلهو فيها.. نتسلل من بين تلك الشعاب الكبيرة المنصوبة على الأرض والأغصان القديمة المتدلية من جريد النخل المنسوج والأعمدة الشائخة المتمددة كسفينة عائمة فوق الرمل ناوشتها الرياح.
تلك (الراكوبة) الكبيرة وهي تتوسط الفناء الرحب والتي نسميها ب(القرآنية) كانت ملاذنا في هجير الصيف.. يتملكنا الشغف معرفة ذلك الشيخ الغريب الذي حل فجأة بتلك الناحية.
نلعب السك سك والترى وردا بالقرب من حائط غرفته.. نختلس النظر إليه بين الفينة والأخرى وهو جالس القرفصاء أمامه كومة كبيرة من الورق الأبيض ومحبرة (الدواية) وقلم سميك من البوص.
كنا في كل مرة نلعب فيها نقرب منه شيئاً فشيئاً حتى جلسنا إليه ذات مرة لم يحدثنا طويلا فقد كان منهمك يكتب بخط جميل على ورقة بيضاء يشكل الحرف ويلونه ألوانا جميلة خضراء وصفراء وحمراء لم نرى لها مثيل.. كان بشوشا ذو لحية سوداء كثة متدلية تكاد تلامس تلك الوريقات.. تمضي الأيام وحكاية الشيخ الغريب تلك مازالت لغزا محيراً لطفولتنا الغضة وحين كثر شغفنا معرفة ذلك السر نده علينا “الخليفة عبد الرحمن” ذات مساء والشمس مائلة نحو الغروب تحلقنا حوله فأخبرنا أن الشيخ اسمه إدريس وهو قادم إلى الخلوة من مكان بعيد يسمى (دارفور) يكتب المصحف بيديه ملأتنا الدهشة والحيرة.. فبادرت الخليفة السؤال كيف يكتب كل هذا المصحف بيده بدأ بالشرح آذان المغرب باغتنا فتفرق جمعنا.

غدا لنا عودة إن مد الله الآجال..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى