تأملات – جمال عنقرة – البرهان وحمدوك .. السكران في ذمة الواعى

لم يحزنن التراشق الكلامى الذي حدث بين السيدين فخامة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة، ومعالي الدكتور عبد الله حمدوك رئيس مجلس الوزراء الانتقالي، بقدرما أحزنني انقسام قطاع كبير من أهل السودان بين محرض للسيد البرهان لإعلان البيان الأول لعهد جديد ينهي به فترة الحكم الحالية، ويشكل فيه حكومة جديدة بأي شكل كان كما يروق لأصحاب الفكرة، وبين داعين للدكتور حمدوك لفض الشراكة مع العسكريين، ودعوة الشباب لتتريس الشوارع، لإشعال جذوة ثورة أخري.
صحيح أنه لم يكن ينبغي للدكتور حمدوك أن يستجيب لنداءات مجموعة محدودة خرجت تحت مسمي (جرد الحساب) الذين حملوه أوزار الضائقة المعيشية التى تعاني منها البلاد والعباد، فلا أدري من أين أتته فكرة الخروج من هذا المأزق بتحميل المؤسسات الإقتصادية العسكرية وزر الضائقة المعيشية، ولا أدري من أين أتي بمعلومة أن هذه المؤسسات تمتلك 82% من رأس مال الحكومة السودانية، وأن وزارة المالية تمتلك 18% فقط، في حين أن الثابت بالأرقام والإحصاءات أن تقييم الشركات العسكرية يأتي في المرتبة السادسة ضمن أكبر شركات اقتصادية سودانية، وأن الخمس الأخري، كلها تحت ولاية وزارة المالية، وأن الشركات العسكرية التي تأتي في المرتبة السادسة، قيمتها كلها مليار دولار فقط، وأن بعضا مقدرا من هذا المليار يملكه مواطنون عسكريون في الخدمة والمعاش، وبعضه يملكه مواطنون من عامة الشعب، وكله تحت نظر وبصر وزارة المالية، وخاضع للمراجع العام لحكومة السودان، فما كان للسيد حمدوك أن ينساق وراء أكاذيب بعض أدعياء الثورة، الذين أصنفهم في خانة ألد الأعداء للثورة والوطن.
وصحيح أني أجد العذر للفريق البرهان للرد أولا علي تلك الاتهامات المضللة، والتى راجت في الأسافير، وفي وسائل الميديا كلها، وأنه اضطر إلى تكرار الحديث مرة أخري في قاعدة وادى سيدنا العسكرية، وكان قد قال به المرة الأولى في القيادة العامة لقادة القوات المسلحة من رتبة العميد فما فوق، وأن حديث الوادي كان أكثر سخونة، وأشد وقعا، ولعل ذلك كان من طبيعة الجمهور، ففي الوادي حضر كل العسكريين ابتداء من رتبة الجندي، وقد يكون بينهم مستجدون، ومعلوم أن هؤلاء (كهربتهم زايدة) وهم في حالة استنفار دائمة، ولا يصبرون كثيرا علي بعض حديث (الملكية) ولكن الأمر كله يبقي (داخل الحوش) وعبارة (نحن في مركب واحدة، نعبر معا، أو نغرق معا) التى قال بها الدكتور حمدوك للجان المقاومة، أولي بها العسكريين شركاء الثورة الحقيقيين، ولن يستطيع حمدوك أن يعبر وينتصر بغير العسكريين من بعد توفيق الله تعالي، وما كان للثورة أصلا أن تنتصر، وتصبح ثورة نموذج ومثال، لولا وقوف القوات المسلحة معها، واتخاذ قيادة اللجنة الأمنية العليا القرار التاريخي بإنهاء حكم العهد السابق، وفتح صفحة لحكم جديد يحقق شعار الثورة (سلام، حرية، عدالة) ومهمة حمدوك في هذه المرحلة أن يحقق أهداف الثورة في الجهاز التنفيذي، وأن يضع يده مع أيدي إخوانه في مجلس السيادة، بمكونيه العسكري والمدني، وفي مركزية الحرية والتغيير لتصحيح مسار الثورة لاستكمال مشوارها، وتحقيق مطلوبات الحكم في المرحلة الإنتقالية، وليس عليه أن يستمع ويستجيب لأدعياء الثورة الذين كانوا سببا رئيسا في انحرافها، وتعطل مسارها. ولقد تحدثت في مقالات سابقة عن منهجية تصحيح المسار الذي ينبغي علي حمدك عمله، بالتعاون مع العقلاء من قيادات الحرية والتغيير، وبرعاية مجلس السيادة بمكونيه المدني والعسكري، وقد نتحدث عن ذلك في مقالات أخري مرات ومرات، إلى أن يستقيم العود بإذن الله تعالي.
وبالنسبة للسيد البرهان فهو المسؤول الأول أمام الله وأمام الشعب من هذه الثورة، وليس أمامه خيار سوى أن يستكمل مسيرة الثورة، فلا تراجع، ولا استسلام، ولن يجد أفضل من حمدوك ساعدا أيمن لاستكمال هذا المسار، وعليهما ألا يستجيبا لخطرفات أدعياء الثورة الذين لا يزالون يعيشون تحت تأثير سكرة السلطة التى أتتهم فجأة ولم يكونوا يتوقعونها، فصاروا، ولا يزالون يتحركون تحت تأثير هذه النشوة، وقديما قال أهلنا (السكران في ذمة الواعى) فالثورة والحكومة، والوطن كلهم أمانة في أعناقكم، فأصمدوا واعلموا أنه من بعد الله تعالي فيقف معكم كل الوطنيين في الحرية والتغيير، وفي غير الحرية والتغيير، وفي مكونات المجتمع السوداني كافة، السياسية وغير السياسية، وأنه لا عودة بعد ذلك إلى الوراء أبدا، ولن تستطيع بعد اليوم قلة أن تخيف الشعب بمتاريس، ولا بغيرها، ولن يكون هناك مارش عسكري بعد اليوم، فلو عجز المستأمنون علي الثورة علي التصيح، فدرب التصليح والإصلاح واضح وبين، ولا يحتاج إلى (بيان) فسيروا علي بركة الله، والله الموفق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى