
في كثير من الأحيان تمر علينا منشورات للصديق العزيز الشيخ محمد هاشم الحكيم، ذلك الرجل الذي يجمع بين الحداثة والتقليد، ويتناول قضايا تمس حياة الناس، وتسعى مقالاته إلى تقديم معالجات واقعية لها. وقد اطلعت فجر اليوم على أحد منشوراته حول قضية الانتحار، وهو طرح يستحق الشكر والتقدير، لما يحمله من حرص على خدمة المجتمع، ونشر رسائل التربية والتزكية الروحية.
هذا الطرح أعاد إلى ذهني واقعة حدثت قبل سنوات على كبري الحلفايا، حين أقدم أحد الشباب – وكان معروفًا بحسن الخلق والشهامة – على إلقاء نفسه من أعلى الجسر. يومها انشغل الناس بتوصيف الحادثة، واختلفوا في الحكم عليها، بينما غاب عن كثيرين أن ذلك الشاب كان يعاني من الفشل الكلوي. ومن المعروف طبيًا أن أمراض الكلى قد تؤدي إلى تراكم السموم في الجسم، وإذا لم تُعالج بشكل منتظم، فقد تؤثر على الحالة النفسية، وتُسبب اكتئابًا قد يكون شديدًا في بعض الحالات، خاصة لدى من لديهم قابلية أو تاريخ مرضي نفسي. لذلك فإن الانتظام في جلسات الغسيل الكلوي ليس مجرد إجراء علاجي جسدي، بل له دور كذلك في استقرار الحالة النفسية.
وإيراد هذه القصة ليس للتبرير، وإنما لرفع الحرج، وتوسيع دائرة الفهم، خاصة عند تناول النصوص الشرعية المتعلقة بالانتحار بصورة مطلقة، دون مراعاة لأصحاب الأعذار، لا سيما من يعانون من أمراض مزمنة قد تؤثر على وعيهم وإدراكهم.
وفي السياق نفسه، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في تناول حالات مرتبطة بالانتحار، في مشهد يدعو للقلق، ويؤكد الحاجة إلى التوقف عند الأسباب العميقة لهذه الظاهرة، لا الاكتفاء بمظاهرها. فالتعامل مع الأعراض وحدها لا يكفي، ما لم يُصاحبه فهم حقيقي للعوامل التي تقف خلفها.
ففي بعض الحالات، قد يظهر الطلاق كسبب مباشر، لكنه في الحقيقة يكون نتيجة لمسار معقد من الخلافات والتراكمات. والسؤال الأهم هنا: لماذا عجز الطرفان عن إدارة هذه الخلافات؟ ولماذا لم تُحل رغم توفر الفرص؟ في مثل هذه الحالات، قد تكون هناك عوامل أعمق تتعلق بالشخصية، أو باضطرابات نفسية، أو بطريقة التعامل مع الضغوط والأزمات.
والطلاق في الشريعة الإسلامية هو حل مشروع لمشكلة قائمة، وليس بالضرورة سببًا في تفاقمها. لكن استمرار النزاع بعد الطلاق قد يشير إلى وجود جذور أعمق لم تُعالج، خاصة لدى من لديهم قابلية للتأثر النفسي. كما أن الالتزام بتوجيهات الشريعة، مثل حفظ الخصوصيات وعدم إفشاء أسرار الحياة الزوجية، يُسهم في تقليل حدة النزاعات، إذ إن إفشاء الأسرار قد يغلق أبواب الحلول ويزيد من تعقيد المشكلات.
الانتحار، في جوهره، قضية معقدة تتداخل فيها أبعاد نفسية واجتماعية وبيولوجية. ففي كثير من الحالات، يكون نتيجة ضغوط نفسية متراكمة، تتفاقم مع ظروف اجتماعية أو اقتصادية صعبة، ومع ضعف الدعم أو غيابه، مما قد يدفع الإنسان إلى حالة من الاضطراب تفقده توازنه وقدرته على التقدير السليم.
ومن الناحية الطبية، تُعد هذه الحالات في كثير من الأحيان حالات مرضية تستدعي العلاج والدعم، لا اللوم أو الإدانة. فاضطرابات مثل الاكتئاب والقلق وبعض الاضطرابات الذهانية تؤثر بشكل مباشر على التفكير والإدراك. كما أن اختلال التوازن الكيميائي في الدماغ قد يؤدي إلى تغيرات حادة في المزاج والسلوك، تجعل الإنسان أكثر عرضة لليأس أو الاندفاع.
ولا تقتصر الأسباب على الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى بعض الحالات العضوية، مثل أمراض الغدة الدرقية، أو الفشل الكبدي والكلوي، أو تراكم السموم في الدم، والتي قد تؤثر على الوعي والإدراك، وتضعف القدرة على اتخاذ قرارات متزنة.
أما من الناحية الشرعية، فإن الأصل في الانتحار أنه محرم، لما فيه من إزهاق للنفس. غير أن الشريعة الإسلامية تقوم على الرحمة ورفع الحرج، وتراعي حال الإنسان من حيث وعيه وقدرته على التمييز. فإذا كان في حالة مرضية أثرت على إدراكه، فإن الحكم عليه يختلف، ويُرجى له العذر بقدر ما كان عليه من اضطراب.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذه القضية يجب أن يقوم على الرحمة والفهم، لا على القسوة أو التسرع في الأحكام. فالكثير من هؤلاء هم في حقيقة الأمر مرضى يحتاجون إلى دعم واحتواء، لا إلى وصم أو إدانة. كما أن مسؤولية المجتمع كبيرة في تعزيز الصحة النفسية، وتوفير بيئة داعمة، ونشر الوعي، وفتح أبواب المساندة لكل من يمر بضيق أو أزمة.
إن بناء مجتمع متماسك لا يكون فقط بعلاج الظواهر، بل بفهم جذورها، والاقتراب من الإنسان في ضعفه قبل قوته، ومدّ يد العون له قبل أن يصل إلى حافة اليأس.
نسأل الله أن يحفظ الجميع، وأن يرحم من ابتُلي، وأن يجعل لهم من واسع رحمته نصيبًا، وأن يوفقنا جميعًا لأن نكون عونًا وسندًا لكل من يحتاج.



